مع كثرة أخبار الفضائح والصفقات وتبادل الإتهامات بين هذا المسؤول أو ذاك عن فساد من هنا ورشوة من هناك، وسمسرة وتجاوز للقانون والإطاحة به، لم يعد اللبناني يعرف حقيقة إذا كان يعيش في بلد يمكن الركون إلى ما يتخذه المسؤولون فيه من قرارات، أم أنه يعيش في غابة يأكل فيها الكبير مال الصغير و"يتسلبط" ويتجبر كل متحكم برقاب الناس، وقد أصبح المثل اللبناني الشهير "حاميها حراميها" سمة من سمات شريعة الغاب.
الحقّ في الأساس على قانون لم يطبقّ يوماً في لبنان، وهو قانون "من أين لك هذا". ولو طبّق كما يجب وبعدالة لما كانت السجون تسع ولأقتظت بالفاسدين والمفسدين، وما أكثرهم.
ولو وضع في السجن كل مرتشٍ وكل متحايل على القانون، كما حصل بالأمس الأول مع أحد متعهدي صيانة الطرقات لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من حالات تسييب وفلتان على "عينك يا تاجر".
هل تجرأ أحد من كبار القوم على محاسبة موظف في إحدى الدوائر الرسمية، والمعروف كم يتقاضى من رواتب شهرية، وهي تكاد لا تكفي لإعالة أولاده، وبالكاد يستطيع أن يصل إلى نهاية الشهر بـ"حلاش الحمص"، ويسأله من أين لك كل هذا: منزل فخم في المدينة وأخر يضاهيه فخامة في الجبل، وشاليه على البحر وأخرى في منتجع شتوي، وسيارة آخر "موديل" له ولزوجته ولكل ولد من أولاده، ناهيك عن الحفلات و"العزايم" والسيكار والكافيار، وهم يتصدّرون الصالونات والحفلات، ولا "يعوفون" دعوة إلى عشاء أو غداء... وما إلى هناك من اسباب الترف والعيش الرغيد؟
لمثل هؤلاء تفتح أبواب السجون، فيكونوا عبرة لمن اعتبر... وإلاّ "فالج لا تعالج". وتكرّ سبحة الإتهامات وتنتشر رائحة الفساد التي باتت تضاهي رائحة الزبالة.
ولكي تستقيم أحوال البلاد، ولكي يطمئن المواطن إلى أمنه اليومي، فلتعلق المشانق على ساحة البرج، وليكن هذا مصير كل مجرم تسّول له نفسه زهق روح بشرية ببرودة أعصاب، وليس حكماً مخففاً يقضي فيه محكوميته في سجن مصنف بخمسة نجوم.
رحمة الله على من كان يعتقد أن الدرج يُشطف من فوق وليس من أسفله، وأن الفساد يضرب رأس السمكة قبل أن يصل إلى جسمها.
ورحمة الله على رؤساء ماتوا مديونين، وهم الذين منعوا أي موظف من تلبية أي دعوة إلى عشاء أو إحتفال، منعاً لتسهيل تمرير الصفقات تحت ستار "طعمي التمّ بتستحي العين".