إعلان قداسة البابا فرنسيس قداسة راهبتين فلسطينيتين هما مريم بواردي ومريم الفونسين غطاس ليس من الأمور العادية في زمن التطرف وتهجير المسيحيين من أكثر من منطقة في سوريا والعراق، وهم كانوا الأساس في إرساء أسس هاتين الدولتين.
وقد تكون التجربة اللبنانية، بما فيها من عمق تاريخي في العيش الواحد بين المسيحيين والمسلمين، خير دليل على إمكانية تعميمها في أي مكان تتواجد فيه اتنيات، وإن تخلل هذه العلاقات بعض من فتور أو الكثير من الخصومات والتباينات، الا أن الجميع اكتشفوا بعد مخاض عسير أن لا غنى عن هذه الصيغة الفريدة.
ويأتي تقديس هاتين الراهبتين العربيتين بمثابة رسالة أراد من خلالها البابا فرنسيس توجيهها الى العالم كله ليؤكد على أهمية النموذج اللبناني، الذي هو الرد الطبيعي على موجات التطرف التي تجتاح المنطقة، وهو بذلك أكمل نظرة البابا يوحنا بولس الثاني الذي رأى في هذا الوطن الصغير دورًا مهمًا حين وصفه بـ"وطن الرسالة".
وما قاله البابا فرنسيس للمسيحيين الفلسطينيين بالأمس بأن يبقوا في أرضهم له رمزيته المستندة الى واقعية تاريخية وجغرافية للوجود المسيحي في هذه البقعة من الارض، وهو قول ينطبق على أيضًا على مسيحيي لبنان المدعوين الى تثبيت دورهم الريادي والى تأصيل وتعميق علاقتاتهم مع شركائهم بالوطن، وذلك من خلال عيش قيم الانجيل، التي تتلاقى في جوهرها مع القيم الاسلامية.
وما لم يقله الحبر الأعظم بالأمس علانية يقوله في الاجتماعات المغلقة حول ضرورة اتفاق المسيحيين في لبنان على إسم لرئاسة الجمهورية، مع ما يعنيه ذلك من أهمية ليس لمسيحيي لبنان فحسب، بل لجميع مسيحيي المنطقة، الذين يعتبرون لبنان - النموذج سندًا لهم لكي يستطيعوا الصمود في أرضهم على رغم ما يتعرضون له من ضغوطات وتهجير.
ويعرب قداسة البابا، كما ينقل عنه الذين يلتقون به، عن المه لعدم توصل اللبنانيين، وبالأخص المسيحيين منه، الى انتخاب رئيس لهم، وقد انطوت سنة على الشغور في هذا المنصب – الرمز، وهو يحّمل القادة المسيحيين من دون استثناء المسؤولية المباشرة عما يمكن أن ينتج عن هذا الأمر الخطير من تداعيات، ليس على لبنان فحسب، بل على العيش المشترك بين ابنائه، وعلى وضعية جميع مسيحيي الشرق.
فتقديس راهبيتين من فلسطين المحتلة ليس أمرًا عاديًا، وهو موضوع في رسم جميع المسيحيين في العالم، وبالاخص مسيحيي لبنان، لكي يعوا أهمية دورهم في هذه البقعة من الكرة الأرضية، وهو دور يتخطى السياسات الضيقة المحصورة في المكان والزمان، لتطاول جوهر وجودهم الكياني.
("لبنان 24")