في زمن يأكل فيه الغبار القصر الجمهوري وتصيب البطالة مجلس النواب وتغرق الحكومة في كشتبان اتهاماتها الطائفية بحق بعضها البعض، تصبح جمعة اميل رحمة لزملائه النواب، حدثاً يُحكى عنه.
مذ أن صار ميشال عون وسليمان فرنجية متساويين بالترشيح ومتنافسين على حلبة الموارنة، راح نائب بعلبك الهرمل يملأ يومياته بلقاءات على الخبز والملح تجمع من لا يجتمع عادة بالسياسة. مرة يلتقي على مائدته عونيون ومرديون فيضعون أسلحة اشتباكاتهم المستجدة على الباب ويتمالحون بحضرة زميلهم في تكتل التغيير والاصلاح... ومرة تأخذه الحماسة الى حدّ دعوة معظم أعضاء البرلمان الى لقاء يكاد فيه يؤمن نصاباً قانونياً.
فعلاً عملها اميل رحمة. تحت عنوان توجيه التحية الى الرئيس نبيه بري بعد انتخابه رئيساً لاتحاد البرلمانيين العرب، وجه نائب بعلبك الهرمل الدعوات الى أكثر من 120 نائباً، استثنى منهم الأقطاب، وقلة قليلة من النواب ذوي الحساسية السياسية (ستريدا جعجع وخالد ضاهر وعقاب صقر) ليلتقوا جميعاً في الكورال بيتش.
هكذا، جمع على وليمة الغداء 59 صوتاً متفوقاً بذلك على جلسة الانتخاب الأخيرة التي لامست الـ53 صوتاً. نواب من كل الأطياف الأحزاب والتيارات السياسية. عادة ما يتراشقون ويتقاذفون بأقسى أنواع الشتائم والقصف لكلامي، تبادلوا بالأمس الخبز والملح والنكات والأنخاب.
سقطت في ضيافته المتاريس السياسية فالتقى نواب عونيون وكتائبيون على مائدة واحدة... الجيرة الجغرافية كانت أقوى من الخصومة السياسية. وحدهم نواب القوات كانوا خارج السرب وقاطعوا اللقاء بشكل جماعي.
النواب المشاركون في طاولة الحوار حطوا برحال معلوماتهم أمام رفاقهم وراحوا يوزعون الأخبار على الجالسين، عن نهفة قالها أحد المشاركين ولطشة رماها آخر... على مائدة من هذا النوع تسقط قفازات التحفظ وينسى المشاركون وجود اعلاميين على الطاولة!
الوزير وائل ابو فاعور كانت له حصته من الأضواء. بطل فيلم "ليلة القبض على المدير العام" تعرض لأكثر من طلب استدعاء من جانب النواب الحاضرين الذين لاحقوه بسؤال مركزي: ماذا يريد وليد جنبلاط من نهاد المشنوق؟
أما اميل رحمة فكان نجم لقائه. لاحقه لقب واحد طوال الجلسة: فخامة الرئيس. في جمهوية "الفشل" و"الاهتراء" و"النفايات السياسية" يصبح كل شيء مقبولاً. هناك من قالها ممازحاً هناك من رماها استسلاماً للأفق المقفل أمام الرئاسة. أحد زملائه لفت نظره الى أن الجلسة ينقصها فقط الصندوقة الخشبية فيما وصف آخر كلمته المقتضبة التي ألقاها أمام "جمهوره النيابي"... بالخطاب الرئاسي! وقد يكون اميل رحمة جاداً جداً ولا يمزح!