في آخر جلسة عقدها مجلس النواب مشّرعاً ما هو ضروري أنقذت الميثاقية بإدراج بند استعادة الجنسية لمستحقيها من اللبنانيين المغتربين، وقد شارك فيها مكونان مسيحيان أساسيان من المكونات المسيحية الأخرى، وهما "التيار الوطني الحر" وحزب "القوات اللبنانية"، فيما بقي حزب الكتائب على موقفه المبدئي الرافض لأي تشريع يسبق أي عملية لإعادة تشكيل السلطة، ولم يكن التحالف بين "التيار" و"القوات" قد أبصر النور يومها.
وقد سبق عملية إنقاذ الميثاقية، التي تأمنت بفعل مشاركة الحزبين المسيحيين الأكثر تمثيلاً، جدل حول هذه الميثاقية، التي اعتبرها البعض مؤمنة حتى ولو لم يشارك فيها النواب العونيون والقواتيون، باعتبار أن عدداً لا بأس به من النواب المسيحيين المنتمين إلى كتلة "المستقبل" و"اللقاء الديمقراطي" وبعض النواب المستقلين، أعربوا عن نيتهم في المشاركة في أي جلسة تدرج تحت مسمى "تشريع الضرورة"، وقد استند يومها رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى هذه القاعدة للسير في التشريع، معتبراً أن الميثاقية مؤمنة من خلالهم، حتى ولو قاطع الحزبان المسيحيان الأكثر تمثيلاً، شعبياً.
وقد دخل السجال يومها في لعبة الأرقام، حيث اعتبر يومذاك كل من العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع أنه لا يجوز تجاوز إرادة ما يمثلانه في المجتمع المسيحي، مع الإعتراف بما يمثله الأخرون بنسب لا تتجاوز الثلاثين في المئة من نسب التمثيل المسيحي.
ولولا قبول "القوات اللبنانية" بالسير في تشريع الضرورة ومسايرة "التيار الوطني الحر" في موضوع استعادة الجنسية، وإدراج قانون الإنتخابات النيابية على رأس جدول أي جلسة أخرى، لكانت الميثاقية تعرّضت لإمتحان خطير، وقد ماشى الرئيس سعد الحريري "القوات" في رفضه المشاركة في أي جلسة مقبلة لمجلس النواب ما لم يكن بند الإنتخابات النيابية مدرجا في الأولويات، ولم يكن يومها قد تبنى ترشيح النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، وكانت علاقته بـ"القوات" لا تزال سوية، وإن لم تكن في أفضل حالاتها.
أما اليوم فالمشهد مختلف عن آخر جلسة تشريعية، إذ أن ما يجمع "التيار" و"القوات" من حلف كرّس ورقة إعلان النوايا في 17 كانون الثاني الماضي في معراب، يجعل هذين المكونين المسيحيين أكثر تضامناً وأكثر شراسة في مواجهة أي عمل من شأنه أن يزعزع قواعد الميثاقية، التي يقول عنها الرئيس بري أنه هو من كان وراءهأ، وهو الذي لا يرضى بتجاوزها، ولكنه يعود ليتمسك بنظرية أن عدم مشاركة "التيار" و"القوات" ومعهما الكتائب لا يعني أن الميثاقية غير مؤمنة، وإن كان يفضّل أن ينضمّ النواب العونيون والقواتيون إلى أي جلسة تشريعية لتسيير شؤون الناس، مع تفهمه لموقف حزب الكتائب الرافض أي تشريع في غياب رأس البلاد.
وعلى رغم إصراره على عقد الجلسة التشريعية قبل نهاية شهر ايار المقبل، بمن حضر، فهو لا يزال يراهن على مشاركة الجميع، وهو لذلك لا يزال يتأنى في توجيه دعوة هيئة مكتب مجلس النواب إلى الإجتماع، إعتقاداً منه بأن الإتصالات التي لم تتوقف يوماً ستفضي في النهاية إلى تسوية تنقذ الميثاقية الجامعة، وذلك من خلال إقناع كل من العماد عون والدكتور جعجع بالموافقة على حضور الجلسة ومناقشة موضوع قانون الإنتخابات النيابية في لعبة ديمقراطية بحتة. فإذا حظي أي قانون بموافقة الأكثرية يقرّ ويصبح نافذاً، وإلاّ يترك إلى ما بعد الإنتخابات الرئاسية، حيث يكون للرئيس المقبل رأي فيه، على قاعدة توافقية، هي أصلاً مطلوبة لإنتخاب رئيس للجمهورية، أياً يكن هذا الرئيس.
الأمر ليس بهذه السهولة وفقاً لما يبديه كل من عون وجعجع من تحفظات على أي طرح قد لا تكون نتائجه مضمونة سلفاً. وفي ذلك خشية من تمرير صفقة انتخاب رئيس على حساب العماد عون، ما لم يتمّ الأتفاق مسبقاً على ضمانات تحول دون "تهريب" عملية الإنتخاب في غفلة من الزمن.