عود على بدء ...
هكذا ... وبعد عشرات الأسابيع ومئات الساعات من دراسة قانون للإنتخابات في كنف "لجنة التواصل"، التي جمعت ممثلي كل القوى السياسية، والتي عادت لاحقاً بصيغة "لجنة الإنتخاب" ودرست مبدأ التزاوج بين النسبي والأكثري، وفشلت في المرّتين، رُحلت مهمتها إلى اللجان النيابية المشتركة، ليس لدراسة النظام الإنتخابي المختلط فقط، بل للتمحيص بكل الإقتراحات التي قبعت لسنوات في أدراج المجلس النيابي، بدءاً من اقتراح قدّم العام 2002 من الوزير نبيل دو فريج، وصولاً إلى اقتراح من النائب نعمة الله أبي نص، والتي لا يرقى العديد منها إلى منزلة القانون الذي يستحق صرف الجهد والوقت، بل أنّ بعضها اقتراحات "سخيفة " بحسب وصف أحد المصادر النيابية ، " إدراجها لا يمكن قراءتُه خارج لعبة شراء الوقت، وتفكيك الألغام السياسية الميثاقية من أمام تشريع الضرورة في انتظار أن يخلق ما لا تعلمون".
والسؤال الذي طرحه أكثر من مراقب: كيف ستتمكن اللجان النيابية المشتركة بنوابها الأربعين وقوانينها السبعة عشرة من التوصل الى مقاربة مشتركة لقانون الإنتخاب، فيما عجزت لجنة مصغرة من ثمانية نواب عن التفاهم ؟ علماً أن الثانية أي لجنة التواصل أو لجنة الإنتخاب، انحصرت مهمتها بدراسة نظام انتخابي واحد هوالنظام المختلط بين النسبي والأكثري، من خلال اقتراحين، الأول مقدم من النائب علي بزي وجوهره المناصفة بين الأكثري والنسبي ( 64 مقعد نسبي و64 مقعد أكثري )، والثاني صيغة مشتركة بين "المستقبل" و"القوات" و"الإشتراكي" قائمة على انتخاب ( 68 نائباً على أساس أكثري و60 نائباً على أساس نسبي ). أمّا اللجان المشتركة التي ستباشر الثلاثاء المقبل مهمة البحث عن توافق مفقود ، أمامها البحث في النظام الإنتخابي (نسبي، اكثري، مختلط، أم فردي) ، وفي ماهية الدائرة الإنتخابية ، وبتعبير آخر، عاد النقاش إلى نقطة الصفر.
قانون الستين ... الحاضر الغائب
ولأنّ قانون الإنتخاب يعني تحديد الأحجام والأوزان والمواقع في السلطة ، أخفقت القوى السياسية على مدى عشرات السنوات في إنتاج قانون جديد، يحفظ لكل ركن من أركانها حجمه المعهود، وكانت تتذرع في كل مرة بعامل الوقت لتعيد تجديد السلطة التشريعية بقوانين بالية، فكيف الحال اليوم في ظل انقسام سياسي شل البلاد والمؤسسات ؟
يجيب مصدر نيابي: "قانون الإنتخابات لن يُنتج إلاّ بناءً لتوافق سياسي مفقود اليوم، وإذا كنا بصدد البحث عن تسوية، فليس هناك بديل عن القانون المختلط، والمستغرب أن بعض الأطراف المسيحية التي عُرفت بموقفها الرافض لعودة الإقتراحات الإنتخابية إلى اللجان المشتركة، سارعت اليوم إلى الترحيب بخطوة الرئيس نبيه بري إعادة كل الإقتراحات إلى اللجان، وهذه اللجان لن تتمكن من إنتاج قانون في وقت معقول، ولاسيما أنّ كل اقتراح يحتاج إلى أكثر من جلسة وربما إلى ساعات وأسابيع، وبالتالي لا جلسة تشريعية في هذا العقد العادي الذي ينتهي في الواحد والثلاثين من أيار المقبل، ولاسيما أن لاّ جدول زمنياً لعمل اللجان ". ولأنّ فتح دورة استثنائية لمجلس النواب أمر لا يقل صعوبة، فعلينا الإنتظار إلى العقد العادي الثاني الذي يبدأ في أول ثلاثاء تلي الخامس عشر من تشرين الأول. وأمام هذه الصورة يسأل المصدر: هل ستتحول اللجان المشتركة إلى مقبرة للمشاريع ؟
في الحالة هذه سيكون الرابح الأكبر قانون الستين، الذي يُرجم في كل مرة بحجر الخطيئة، لتُعاد الروح إليه "بعجيبة لبنانية " بامتياز، فهل نحن أمام عجيبة مماثلة قبل ثلاثة عشر شهراً على موعد الإنتخابات النيابية في حزيران عام 2017 ؟ أمّ أنّ سلة متكاملة، تشمل الإستحقاقات كافة وفي مقدمها الرئاسي، قد تعيد الروح إلى بلد يكتوي بحرائق أهل البيت وجيرانه؟
يُضاف إلى كل ذلك أن الأولويات متناقضة بين من يتمسك بإقرار قانون للإنتخابات، وبين من يصر على عدم جواز إقرار قانون انتخابي قبل انتخاب رئيس للجمهورية، مدعوم بتوصية صدرت عن الهيئة العامة في جلسة التمديد الثاني، مفادها رفض إنجاز القانون الموعود بغياب رئيس للجمهورية. فهل سيتراجع المجلس عن توصيته ؟ وهل ستصوت الأكثرية لصالح إلغاء هذه التوصية، فيما لو استمر الشغور الرئاسي؟
هذه الأسئلة وغيرها ستجعلنا ندور وندور في حلقة مفرغة إلى أن يحين زمن التسويات الآتية من خلف الحدود والبحار. وحده الصمود بحد أدنى من الإستقرار النسبي ما نسطيع إنجازه.