للصحافة الاستقصائية أن تتخطى بعض الخطوط الحمراء لكشف معلومات جديدة ذات قيمة للناس تصبّ في خدمة الحقيقة والحق. قد لا تظهر النتائج المرجوّة من العمل الصحافي الاستقصائي فوراً، لكنه إذا لم يحقق أي تغيير في نهاية المطاف، فهو بحثٌ عن رفع "الرايتينغ" على حساب الحقيقة، لا أكثر ولا أقلّ!
خصّص مقدم برنامج "حكي جالس" جو معلوف أكثر من ثلاثين دقيقة من "الهواء" لموضوع شبكة الدعارة في المعاملتين، فعرض مقابلة مصوّرة مع الفار من وجه العدالة عماد الريحاوي، مستكملاً الحوار مع محامي الأخير الذي تواجد في الاستوديو. كررّ معلوف أن الهدف هو "البحث عن الحقيقة، لا الدفاع عن الجلاد الريحاوي". في الشكل، يُبَررّ للصحافي (وبخاصة الاستقصائي) إجراء مقابلة حصرية مع متهم أو مشتبه به أو فار من وجه القضاء، على أن تكون جزءاً من تحقيق تُعرض فيه وجهات النظر كافة والادلّة والشهادات. لكن يبدو أن معلوف ظنّ أن الشهادات التي أدلى بها بعض الفتيات في تقارير سابقة عرضت على شاشات محلية مختلفة، تشكّل الجزء الآخر من عمله الاستقصائي المفترض، فاكتفى بإظهار "وجهة النظر" الاخرى (والتي يفترض أن تقدم امام القضاء)، ما اوحى بأنه يبيّض صفحة متهم بالاتجار بالبشر والتعنيف، ولا سيّما بعدما سأل في مقدمته التمهيدية "عماد يلي تآمر عالبنات لسنين ام هني يلي تآمروا علي؟"
عماد الريحاوي الذي تحدث من مخبأه الذي اكدّ فريق العمل انه يجهله (تقول المحاورة: ما بعرف وين مخبى في ناس رح يلاقونا ياخذونا لعندو) بدا هادئاً يرتشف القهوة ويدخن السجائر. طوال حديثه، أصرّ على تبرئة نفسه إلا من جرم الدعارة وكأن هذا النشاط مسموح ومبارك وقانونيّ (اللافت أن محاميه قال ايضاً أن الدعارة مقوننة ومنظمة!)، لتنتهي المقابلة بلا معلومات قيّمة تحديداً في ما خصّ تسمية الاشخاص المتورطين أو أي جهة متواطئة. الأنكى هو أن الاسئلة التي طرحتها المحاورة عليه كانت سطحية لدرجة انه ناداها بـ "صديقتي"، ومعلبّة الى حدّ أن مرّت إجابات الريحاوي المتناقضة مرور الكرام!
على سبيل المثال، يقول الريحاوي في بداية المقابلة "ما كان عم يفوت دولة وامن عام مثل ما عم يقولوا"، ثم يجيب رداً على سؤال "صديقتي شو بدي آخذ هويتو للزبون انا؟!" (في إشارة الى أنه لا يعرف هوية الزبائن ووظائفهم)!
وفي محاولته نفي تهمة سجن الفتيات يقول: "في وحدة كان بعد بدها يومين وبتخلص السلفة وبتفلّ"، ليعود ويؤكد ان "للفتيات حقوقاً وأن كل واحدة كانت تتقاضى راتباً يصل الى الف دولار وقد يصل الى 4000 دولار"، ما يوحي بتناقض واضح بل بكذب صريح!
وإذ يشدد على أنه ليس إلا موظفا يتقاضى 400 ألف ليرة شهرياً وأنه لا يدير تلك المحلات، يؤكد لاحقاً انه كان يساعد فتيات محتاجات من دون مقابل على أساس أنه انسانيّ، وينهي المقابلة بجملة يقرّ فيها: "مين يلي حلّ محل موريس تيمشي هالمحلات هو عماد؟ يلي عمل هيدا الشي اكيد بدو يخلص من عماد ليخلص من هيدا الموضوع نهائيا".
على أن أخطر ما تلفظ به عماد الريحاوي (ولعلّ هذه هي النقطة الوحيدة التي تسجّل لصالح المقابلة) قوله رداً على سؤال حول اطلاق نار سجل سابقاً في هذه المحلات: "الشي موريس في المعاملتين، وبالليل اذا في شي زبون سكران قوّس شو نحن مسؤولين عنو؟! بالعكس نحن في اتفاقية نحن ومخابرات صربا اي شي منشوفو حتى لو كان الزبون معو سلاح منبلغ فورا".
دموع التماسيح!
أما الافظع والذي يتحمل مسؤوليته هنا فريق عمل برنامج "حكي جالس" ومقدمه هو الابقاء على المشهد الذي يذرف فيه الريحاوي الدموع متوجهاً الى عائلته بالقول "انا مش هيك"، فيما يصف الفتيات بأنهن كاذبات وعاهرات موحياً بأنهن يمارسن "هوايتهنّ" بكامل إرادتهنّ وحريتهنّ!
ولعلّ أخطر ما في الموضوع أن الريحاوي الذي أقرّ بأن الدعارة "حرام" (يقصد من الناحية الأخلاقية) يقول "عم نجرب نحط الموضوع على شكلو المزبوط يلي هو دعارة وبس انا دعارة لا اكثر ولا اقل"، متناسياً هو ومحاميه الذي نتفاجأ به في الاستوديو يقول لجو أن "الدعارة مقوننة ومنظمة وهي تختلف عن الاتجار بالأشخاص"، إنها شكل خطير من أشكال الإتجار بالأشخاص، والقانون يعاقب كل من شارك وأخفى وتواطأ وأدار هذا النشاط!
هكذا تنتهي الفقرة قبل الغوص في تفاصيل القانون "لأن الوقت انتهى". لا تقدم أي معلومات جديدة، وتُترك للمشاهدين حرية رجم الفتيات الغائبات عن "السكوب" بالحجارة، ويعاد تثبيت المعتقد الخاطئ بأن "الدعارة قانونية وبأنها خيار"، ويبقى عماد الريحاوي حيث يختبئ يشرب القهوة ويبتسم ساخراً...