يؤشّر ارتفاع حدّة التراشق الكلاميّ بين الولايات المتحدة وروسيا على خلفيّة الاتّهامات المتبادلة التي صدرت مؤخّرًا عن وزارتيْ الدفاع في كلٍّ من واشنطن وموسكو بخصوص تكرار حوادث اعتراض المقاتلات الروسيّة لطائرات الاستطلاع الأميركيّة فوق بحر البلطيق إلى أنّ التأزّم في العلاقات بين البلدين يتّجه يومًا بعد يومٍ نحو المزيد من التصعيد، وبشكلٍ يكاد أن يعيد إلى الأذهان مجدّدًا أجواء الحرب الباردة، ولاسيّما أنّ لغة التخاطب المستخدمة في بيانات الوزارتين تضمّنت خلال الآونة الأخيرة انتقادات لاذعة وجّهها كلّ طرف إلى الآخر، وحملت في بعض تجلّياتها سمات لهجة التهديد والوعيد.
آخر تلك الحوادث كان قد وقع نهار الجمعة الماضي إثر قيام مقاتلة روسيّة من نوع "سوخوي 27" باعتراض طائرة استطلاع أميركيّة من طراز "سي آر 135" لدى اقترابها من الحدود الروسيّة فوق بحر البلطيق، وذلك في خطوة وصفتها مصادر البنتاغون بأنّها "غير آمنة وتفتقر للحرفيّة"، نظرًا لأنّ "هذا الاعتراض الخطر وغير المهنيّ يمكن أن يؤدّي إلى تصعيد لا لزوم له بين البلدين"، حسبما جاء على لسان ممثّلة البنتاغون ميشال بالدانسا التي أكّدت أيضًا أنّ طائرة الاستطلاع كانت تُحلّق في مسار روتينيّ في المجال الجوّيّ الدوليّ.
لكن مصادر في وزارة الدفاع الروسيّة سارعت إلى التأكيد على أنّها أرسلت مقاتلتها لاعتراض الطائرة الأميركيّة "لأنّ جهاز تلقّي الإشارات الضروريّ لتحديد هويّة تلك الطائرة كان مغلقًا". وقال المتحدّث باسم الوزارة إيغور كوناشينكوف إنّ بلاده بدأت تعتاد على انزعاج ممثّلي البنتاغون "ممّا يرون أنّه سلوك خطر وغير مهنيّ لدى اعتراض طائراتهم التجسّسيّة قرب حدودنا"، مشيرًا إلى أنّ طائرة الاستطلاع غالبًا ما "تحاول الاقتراب خفية من الحدود الروسيّة بجهاز إرسال مقفل، فيضطرّ دفاعنا الجوّيّ لإطلاق المقاتلات من أجل التعرّف على الطائرة ورؤية رقمها بالعين المجرّدة"، ومشدّدًا على أنّه "أمام سلاح الجوّ الأميركيّ حلّان لا ثالث لهما: إمّا الامتناع عن الطيران قرب حدودنا، وإمّا فتح جهاز تلقّي الإشارات للتعرّف على هويّة الطائرة".
اللافت أنّ هذا الحادث يأتي بعد أسابيع على تحليق مقاتلتين من طراز "سوخوي 24" روسيّتين فوق المدمّرة الأميركيّة "دونالد كوك" في بحر البلطيق في سابقة وصفها البيت الأبيض بأنّها "محاكاة للهجوم"، ولاسيّما أنّ المقاتلتين حلّقتا على ارتفاع منخفض للغاية، ومرّتا على مسافة قرابة تسعة أمتار فقط من المدمّرة الأميركيّة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تعليق مناورات كانت تشارك فيها المدمّرة مع مروحيّة بولنديّة تتدرّب على الهبوط على ظهرها إلى حين مغادرة المقاتلتين الروسيّتين للمنطقة.
واللافت أيضًا على أثر هذا الحادث هو أنّ رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركيّة جوزيف دانفورد سارع إلى الإعلان عن أنّ تحليق الطائرات العسكريّة الروسيّة فوق السفن الأميركيّة قد يؤدّي عاجلًا أم آجلًا إلى صدام عسكريّ عرضيّ بين الطرفين، موضحًا أنّه استعرض هذا الأمر ثلاث مرّات مع رئيس هيئة الأركان العامّة الروسيّة فاليري غيراسيموف.
بيد أنّ الأهمّ من ذلك كلّه هو أنّ دانفورد كان قد طرح مؤخّرًا أمام مجلس الشيوخ الأميركيّ وجهة نظر تقوم على أنّ قائد السفينة ملزم في كل الأحوال باتّخاذ كلّ الإجراءات اللازمة لحماية السفينة وطاقمها عند تحليق طائرة حربيّة بالقرب منها دون أن يحتاج إلى طلب الموافقة من القائد الأعلى منه على اتّخاذ هذا التصرّف أو ذلك، الأمر ينذر دائمًا باحتمال وجود خطر "تقييم خاطئ للوضع"، وبالتالي إلى حدوث المواجهة.
ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه في ضوء ما تقدّم هو: هل سيقتصر التنافس العسكريّ الأميركيّ – الروسيّ في الوقت الراهن على حدّ التراشق الكلاميّ واستعراض العضلات وحسب، أم إنّه سيصل يومًا إلى طور المواجهة المباشرة؟
سؤالٌ أغلب الظنّ أنّ الإجابة عنه ستبقى خاضعة لمزاج المدّ والجزر والكرّ والفرّ طالما أنّ الطرفين لم يصلا إلى مرحلة "التقييم الخاطىء" بعد، الأمر الذي يُبقي باب التكهّن بمستقبل العلاقات بينهما مفتوحًا على كلّ الاحتمالات!