توصلت بعض الأوساط الدبلوماسية الغربية الرفيعة المستوى عبر تواصلها مع جميع الأطراف والمسؤولين المحليين في الشهرين المنصرمين الى الاستنتاجات التالية في ما يتعلّق بالملفّ الرئاسي العالق والمعلّق في لبنان:
1- الجميع في حال ترقّب وفي انتظار حدث أو ضغط ما من جهة أو من أخرى، إقليمية كانت هذه الجهة أم دولية، من دون أن يكون لأحدٍ رؤية واضحة أو توقّع معيّن في هذا الاتجاه، وذلك بغية إحداث خرق بنّاء على مستوى الرئاسة، في ظلّ استحالة حلّ هذا الموضوع باتفاق داخلي وبتوافق طوعي بين الجهات المعنية.
2- "حزب الله" يفضّل نائب زغرتا سليمان فرنجية قلبياً، ولكن المنطق والعقل يجعله يختار ويدعم الجنرال ميشال عون نظراً إلى الغطاء المسيحي الواسع الذي يؤمنه هذا الأخير للمقاومة، وهو بالتالي لن يخوض معركة سياسية لمصلحة أيّ منهما، لأن في ذلك خسارة محتّمة عليه مع أحد الطرفين.
3- مع صعوبة وصول فرنجية أو عون الى الرئاسة، يكثر الكلام عن مرشّح ثالث يحظى بدعم أهل الحكم، الا أن هذه الفكرة أيضاً صعبة التنفيذ نظرا إلى عدم توافّر الظروف الملائمة لها ما دام مرشحا 8 آذار على لائحة المتبارزين للرئاسة، ما يجعل أي تراجع من قبل هذا الفريق، وخصوصاً من قبل "حزب الله" أمرا مستعصياً، خصوصاً أن لا مجال في الأوضاع الإقليمية والداخلية الراهنة التوصّل الى حلّ شامل حول ما يسمّى "بالسلّة" يكون موضوع الرئاسة من ضمنها، لا بل أنّ التوصل الى إنجاز هكذا سلّة أصعب من الاتفاق على رئيس.
إذا، وبحسب هذه المعطيات، ترى الأوساط أنّه لا بدّ من العودة الى أحد المرشّحَين المطروحين وتكثيف الجهود للتوصّل الى حلّ من ضمن هذه الحلقة الضيقة. واذ تؤكّد وقوف الغرب والولايات المتحدة تحديداً على مسافة واحدة من المرشحين الاثنين، الّا أنها ترى أن التركيز على حظوظ عون قد يكون في الوقت الحاضر أكثر إفادة لإنجاز تقدّم على خطّ الرئاسة في ضوء آخر المجريات، لافتة الى أنّ محاولات دعم ترشيح فرنجية في الآونة الأخيرة قد باءت بالفشل. وتشير في هذا الإطار الى أنّ رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري سبق أن طلب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اللقاء الذي جمعهما في الكرملين في نيسان الماضي التدخّل مع ايران للمضي قدماً بانتخاب فرنجية، الا أن بوتين أكّد له أن لا مونة لموسكو على طهران، وأن العلاقات معقّدة وحساسة الى حدّ ما بين الدولتين على خلفية الملف السوري. وعاد بوتين فاقترح على واشنطن عقد اجتماع موسع حول ملف الرئاسة في لبنان بين الدول المعنية تلبية لنداء الحريري بالتدخل، الا أنّ هذا الاقتراح لم يلقَ ترحيباً أو تشجيعاً في الأوساط الأميركية وقناواتها في لبنان، نظراً إلى ما قد يوحيه من تدخّل مباشر في الشؤون اللبنانية.
واذ ترى الأوساط أن ايران ملتزمة موقف "حزب الله" من الرئاسة، وأن مقاربة الحزب لهذه المسألة أصبحت معروفة وشبه مقفلة، أي عون أولا، والسلّة ممرّ إلزامي، تشير إلى أنه لا بدّ في هذا الوضع من الالتفات الى المنعطف الآخر، أي الى دراسة جدية لحظوظ عون، عبر دسّ نبض المملكة العربية السعودية في ما يتعلّق بهذا الطرح، ومحاولة الاستفسار عن إمكانية تقبّل الحريري لهذا الترشيح، بعدما سبق وتخلّى عنه منذ أكثر من سنة.
وتوضح المصادر أنّه بحسب ما سمعته في محيط السفارة السعودية في لبنان، لا يلقى الكلام عن ترشيح عون صدى سيئ أو أقلّه لا يتخبّط هذا الطرح ببابٍ موصدٍ، بل أنّ ردّة الفعل عليه مقبولة بحسب تقديرها، ما يوحي أن لا فيتو فعلي على عون أقلّه في العلن، وأنّه قد يكون من المجدي أن تبحث دول الغرب، وعلى رأسها الجهات الأميركية، جديا في هذا الموضوع مع السعوديين.
وتعوّل المصادر في طرحها هذا على كون المأخذ السعودي الأساسي على عون هو معارضته اتفاق الطائف الذي كان الوزير السعودي سعود الفيصل أحد ابرز منجزيه والمعترض الأشدّ على وصول عون الى سدّة الرئاسة على هذا الأساس، وبالتالي فانّ الموقف السعودي تجاه "الجنرال" قد يكون أكثر مرونة مع رحيل الفيصل.
وأما الحريري، وعلى رغم تأكيده لدبلوماسيين غربيين أن لا مجال لتبنّيه ترشيح عون وأنّ خبرته مع "الجنرال" لم تكن مشجّعة، ترى المصادر أنه ليس مستحيلا أن يغيّر رئيس "التيار الأزرق" رأيه، اذا ارتأى أنّ الظروف مؤاتية لذلك. وتشير المصادر إلى أنّ تخوّف البعض، ومن ضمنهم الحريري، من "تشبّص" الجنرال وتعنّته المعهودين، ومدى تأثير ذلك على سير الأمور اذا ترأس البلاد، وان كان مشروعا وفي محلّه، الا أنه لن يزول ولن يكون الحال أفضل والأمور أكثر مرونة اذا وُجد عون في المعارضة، بل العكس تماماً، وفي ذلك اعتبار يجب التوقف عنده.
وعلى أساس هذا التقييم للأمور، تقول المصادر إن السفير الأميركي في لبنان ريتشارد جونز على وشك رفع تقرير للإدارة الأميركية يركّز فيه على شتى هذه النقاط ويصف المعطيات الرئاسية في ضوء الفكرة التي كوّنها حول هذا الاستحقاق، بناء على المعطيات والجولات التي قام بها مؤخراًعلى السياسيين كافة. ويتضمّن هذا التقرير توصية للإدارة الأميركية بإقامة حوار جدّي مع السعوديين في شأن الرئاسة اللبنانية للتطلّع على نظرتهم وعلى مقاربة هم لهذا الموضوع بوضوح، لعلّ ذلك يسهّل التوصل الى نتيجة ملموسة على صعيد الرئاسة اللبنانية.
يذكر أن جونز الذي وصل الى لبنان في أواخر العام الماضي لفترة وجيزة انتقالية ينهي مهامه في حزيران، ما يعني أنه سوف يغادر البلاد اذا لم يجٓدّد عقده في انتظار وصول السفيرة الجديدة الى لبنان.