ينطلق السباق نحو اﻻنتخابات البلدية من المحطة الأقسى سياسياً و شعبياً على تيار "المستقبل"، من بيروت، معقل زعامة رفيق الحريري والمنصة التي إنبثقت منها حيثية سياسية ووجود اكبر كتلة نيابية، يخوض فيها اليوم سعد الحريري مواجهته البلدية ويستعد لما يتبعها من محطات اخرى ضمن مسار يغلب عليه الطابع اﻻنحداري. وما يجري في العاصمة ينسحب على المدن الساحلية المرتبطة عضوياً وسياسياً بالحجم السياسي الذي يشغله "المستقبل" في بيروت وصيدا و طرابلس.
فاﻻعتراضات على التوافق البلدي المزعوم في المدن الساحلية الثلاث أتت من صلب الحريرية السياسية وإنفجرت في وجه الحريري، بعدما اعفى نفسه من مشقة فض صراعات القرى والعائلات في البقاع والشمال. فباطن الخلافات الداخلية التي بقيت مستترة طفى على السطح وسيترجم في صناديق اﻻقتراع وبدأ يرخي بحمله الثقيل فوق كاهل قيادة المستقبل وليس حدة اﻻزمة المالية، فما عاد شعار "زي ما هي" يؤدي الغرض المطلوب.
لم يؤمن الحشد السياسي الواسع خلف لائحة "بيروت للبيارتة" الضمانة اﻻكيدة باﻻكتساح الكامل، خصوصا أن العنوان الرشيق الذي إختارته اللائحة المنافسة "بيروت مدينتي" ادى تلقائياً الى فرز من نوع آخر، حيث أن رحى الصراع بين اللائحتين حول أحقية تمثيل ابناء العاصمة والقاطنين فيها كما الوافدين مستقبلاً، اﻻمر الذي يصب تلقائياً ضد مصلحة الحريري إنتخابياً ويشد القاعدة الشعبية في احياء بيروت ما يجعله يواجه شارعه وناسه.
ولا يبدو خافياً أن سعد الحريري حاول النأي بالنفس قدر اﻻمكان لتلافي دفع أثمان باهظة سياسيا ومترتبات ناتجة عن اﻻنتخابات البلدية هو الآن بغنى عنها في هذا الظرف الدقيق فبدا كمن يسعى إلى تمرير اﻻستحقاق باقل خسائر ممكنة، غير أن سرعان ما غرق الحريري كما "المستقبل" في وحول مستنقع الانتخابات وبات عليه المواجهة و ليس ادارة الصراع فقط.
هذا الأمر دفع القيادة، وفق مصادر تيار"المستقبل"، نحو بذل جهود مضنية للحؤول دون التراجع وتسجيل المزيد من الخسائر عبر سلسلة تفاهمات سياسية مع قوى اخرى في سبيل التعمية على حدّة ما يجري داخل تيار"المستقبل" إثر غياب الحريري الطويل وبروز اجنحة وتيارات، كما نشؤ مراكز قوى اضحت ترى نفسها اقوى من تأثير الحريري وقدرته على ضبط الوضع وسط التخبطات السياسية والتنظيم، وبالتالي تعتبر نفسها لها اﻻحقية السياسية والشخصية بإكمال درب رفيق الحريري.
من هنا كان قرار القيادة التنازل قدر اﻻمكان خارج صحن المستقبل واﻻحتفاظ بما تبقى، ولكن بالترافق مع التشدد، إن لم يكن إقصاء كل الرؤوس الحامية وفي طليعتها اشرف ريفي، في سبيل تمرير اﻻنتخابات البلدية بأقل قدر من اﻻضرار، ومن ثم الإهتمام بترتيب البيت الداخلي.
ومن ضمن هذا السياق تشكلت لائحة "البيارتة " كأول الغيث وهي عبارة عن خليط من قوى بعضها تصارع معها "المستقبل" لسنوات طويلة في مختلف الميادين وحجز لها مقاعد في المجلس البلدي، في حين أن بيروت عانت من الغرق بالنفايات حتى اﻻمس القريب والمشكلة مرشحة للتجدد بعد نحو شهرين، وكانت الصدمة اﻻولى ليس بلائحة منافسة بقدر بيانات التأييد لـ"بيروت مدينتي" من شخصيات بيروتية رافقت الشهيد رفيق الحريري منذ البداية وتراكم عملها وحضورها لتشكل للعصب اﻻساسي لتيار "المستقبل" في العاصمة.
على أن الأهم هو إنسحاب ما يجري في العاصمة على محطات إنتخابية قادمة، فنصف التسوية الذي حاول إبرامها تيار "المستقبل" في صيدا ضربها إعتراض اقرب المقربين للنائب بهية الحريري وكاتم اﻻسرار محمد زيدان، فيما يبدوالتنظيم الشعبي الناصري متربصاً إنتخابياً، ما يعني أن الصراع إنتقل في صيدا الى مكان آخر ومع قوى مختلفة، مع تسجيل أن ذكريات اﻻنتخابات البلدية في صيدا مؤلمة عند آل الحريري، وبالتالي تبدو المحاولات الحثيثة راهناً لاجل تدارك المشكلة عن طريق إرضاء زيدان كما آخرين بأي ثمن.
وما يجري هناك ينسحب على طرابلس، فمن يقف حجر عثرة بإقرار توافق سياسي شامل في المدينة هو تمرد الوزير أشرف ريفي وإصراره على مواجهة "المستقبل" إنتخابياً لاثبات حيثية شعبية ولسان حاله "خرجت من "المستقبل" كما خرج "المستقبل" مني"، وبالتالي فإن مسار اﻻنتخابات البلدية اﻻخيرة محكوم بما سيسفر عن إنتخابات بيروت وصيدا.
في ضوء ذلك ﻻ بد من إنتظار جلاء غبارالمعارك بفعل اﻻنتخابات البلدية لمعرفة حقيقة اﻻحجام و اﻻوزان، ومن المؤكد أن حضور تيار "المستقبل" على المسرح السياسي سيكون مغايرا ومختلفا إن لم يكن مناقضاً تمام للواقع الراهن.