نجح رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري في استقطاب عطف الشارع السنيّ بعد أنّ حوّل خصومه المعركة البلدية والإختيارية في العاصمة الى استفتاء حول زعامته.
وبعد أن ركّزت الماكينة الإنتخابية الإعلامية للحريري بدهاء على هذه النّقطة، نجحت في أن تنسي "البيارتة" روائح النفايات التي أزكمت أنوفهم طيلة الأشهر الماضية لتحوّل المعركة الى سياسيّة بامتياز: فإما أن تكون مع زعامة الرئيس سعد الحريري إبن الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتصوّت "زيّ ما هيّي" مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وإلا تكون بيروتياً تدكّ مسماراً في نعش "الحريرية السياسية".
ولا يبدو بحسب مراقبين بيروتيين لمجريات المعركة البلدية والإختيارية التي دارت رحاها في المناطق ذي الكثافة السنية وخصوصا في الدائريتين الثانية (المصيطبة وعائشة بكار وسواها) والثالثة (المزرعة الطريق الجديدة ورأس بيروت وقريطم) بأن "البيارتة" المسلمين كانوا مستعدين للتصويت ضد الحريري وخطّه السياسي.
ولعلّ ما ساعد لائحة "البيارتة" هو الإقبال الضعيف نسبيّاً على التصويت والذي برز خصوصاً في ساعات قبل الظهر وهذا الإقبال الضئيل يحسم المعركة بحسب قراءة سياسية بيروتية لصالح الماكينات الإنتخابية المنظّمة وفي طليعتها ماكينة "تيار المستقبل" لأنها ماكينات تشتغل على "بلوكات" الناخبين وهي لم تواجه جرفاً جماهيرياً شعبيّاً يصوّت ضدّها. وتميّزت "ماكينة المستقبل" بحسب جولة ميدانية لـ"لبنان 24" على هذه المناطق بكثير من التنظيم المتقن وقد نقل الناخبون بشكل منظّم الى مراكز الإقتراع.
ويقرأ أحد السياسيين البيروتيين نجاحاً عارماً لإعلام "تيار المستقبل" في الإفادة من تساؤلات صحافة وإعلام قوى 8 آذار من أن المعركة هي استفتاء حول زعامة الحريري، وبمعنى صوّرت هذه المقالات والريبورتاجات للبيارتة بأنها استهداف للزعامة السنية، ولعب إعلام الحريري على هذا الوتر بشكل ذكي ومتقن وبرّزه في أكثر من مناسبة، فحوّل المعركة من بلدية إنمائية الى سياسيّة بامتياز.
هكذا نسي الناخب البيروتي روائح النفايات وأكواملها ونسي اضطراره لوضع "كمامة" ليسير في شوارع مدينته، ونسي الذباب والبعوض ليؤكد مرّة جديدة بأنّ "البيارتة" لا يرون بديلاً عن زعامة الرئيس سعد الحريري "زيّ ما هيّي" بكلّ ما يحويه سلوكها السياسي من إخفاقات وخيبات ومن نجاحات.
وقد لعب الحريري لعبة ذكية حين ردّ على سؤال صحافي حول عدم مشاركة "حزب الله" في لائحة البيارتة" مجيبا بانّ "ذلك إضافة للائحة"، وهذا ما يشير الى أن الحريري كان يشدّ العصب السياسي ضدّ "الخصم"، إذ لم ينس ابناء بيروت انه في 7 و8 أيار من سنة 2008 إحتلّ "حزب الله" أحياء بيروت وقمع ابناءها، وهذا ما يصبّ أيضاً في صالح التصويت لـ"زعامة الحريري".
ولعلّ ما نجح به الحريري أيضاً هو إلغاء فكرة التصويت لـ24 سنّي والتي راجت أخيراً في أوساط بيروتية مسلمة، وذلك عبر تظهيره المعركة البلدية على أنها تحدّ للزعامة السياسية لآل الحريري. وبالتالي سجّل الحريري أهدافاً عدّة ومنها أنه أنسى البيارتة رائحة النفايات ليذكرهم بالحرب السياسية القائمة في البلد.
لكنّ اللافت أنه بالرغم من عدم انضواء "حزب الله" في لائحة "البيارتة" إلا أن الملاحظ بأنّ لماكينة الحريري دورها الكبير في إنجاح المخاتير الشيعة في منطقة المصيطبة ذي الغالبية السنية، حيث لائحة مخاتير موحّدة مدعومة من رئيس الحكومة تمّام سلام وهي تتضمن 7 مخاتير بينها 2 شيعة. علماً بأن ماكينة "حزب الله" التي غابت بلدياً بشكل علني أقله، نشطت بشكل كبير في معركة المخاتير.
أما بالنسبة الى لائحة "بيروت مدينتي" فإن ماكينة الحريري نجحت أيضاً في طرح علامات استفهام أمام البيارتة حول مصادر تمويلها وحول إفادة اثنين من أبرز وجوهها أحمد قعبور ونادين لبكي من تمويل من المجلس البلدي السابق لبلدية بيروت، وهي تفاصيل يلتقطها أبناء بيروت وخصوصاً العائلات بكثير من الحساسيّة.
وبالنتيجة فإن القراءات الأولية لانتخابات بيروت ترجّح بأنّ تبقى بلديتها سياسيا وإنمائيا "زيّ ما هيي".