من الساعة السابعة صباحاً وحتى السابعة مساء إثنتا عشرة ساعة قضاها جميع المعنيين بالإنتخابات البلدية على أعصابهم، وبالأخص في بيروت وزحلة، ما لهاتين المدينتين من طابع التحدّي بين لوائح الأحزاب ولوائح الأهالي، خصوصاً أن نسبة الإقبال لم تكن في مستوى الآمال، ولم تكن أيضاً على قدر كافٍ من التجاوب مع حملات التجييش الشعبي التي قامت بها معظم الأحزاب لرفع نسبة المشاركة، وبالتالي نقل المعركة من معركة نتائج صناديق إلى معركة أحجام.
وفي تحليل لأكثر من متعاطٍ في الشأن الإنتخابي لدلالات تدني نسبة المشاركة في الإقتراع أن الناس لم تدخل بعد مرحلة من التطور في ممارسة العملية الإنتخابية وأهمية الفرق الذي يستطيع الفرد أن يحدثه من خلال الورقة التي يمارس بها حقه في إختيار الشخص الذي يرى أنه يستحق أن يمثله في الندوة البرلمانية أو أن يحمل هواجسه إلى المجالس البلدية، إضافة إلى أن الممارسة الخاطئة للعملية الديمقراطية طوال عقود من الزمن من خلال ما يُعرف بمنطق المحادل والبوسطات والبلوكات، جعلت المواطن ينأى بنفسه عن ممارسة حقه الطبيعي الذي لا يستطيع أحد أن يحرمه منه، باستثناء النواب أنفسهم الذين مدّدوا لإنفسهم أكثر من مرّة من دون العودة إلى رأي المواطنين أو الإحتكام إلى الأصول الديمقراطية المعمول بها حتى في الدول التي نعتبرها متخلفة.
ولأن الشيء بالشيء يذكر أخبرني صديق لي أجبرته ظروفه العائلية على الهجرة إلى كندا، حيث أصبح منذ اليوم الأول لإتمام معاملاته القانونية في دوائر الهجرة مواطناً كندياً له ما لجميع الكنديين من حقوق، وعليه الموجبات ذاتها باستثناء حق الإقتراع الذي لا يعطى إلاّ للمواطنين الذين يقسمون الولاء لبلدهم الجديد، وهذا ما يفعله القاضي الذي يسلم لطالب الهجرة هويته الكندية حين يقول له"الآن يحق لك أن تمارس حقك في عملية الإقتراع والتصويت، وهو حق مكتسب ولا أحد يستطيع أن ينتزعه منك".
أما في بيروت وفي البقاع وبعلبك والهرمل كان متوقعاً إقبالاً أكثر كثافة نظراً إلى أن المواطنين الذين حرموا من حق التصويت واختيار نوابهم لمرتين سيثأرون لهذا الإقصاء وستكون لهم ردة فعل تتمثل بإقبال كثيف، ولكن هذا الأمر لم يحصل، وذلك بسبب تدخل الأحزاب في شأن إنمائي بحت. وقد يكون من بين أسباب استنكاف هؤلاء المواطنين عن الإقتراع يعود البعض منها إلى توجيه رسالة إلى النواب الذين يعطلون انتخاب رئيس للجمهورية بعدم نزولهم إلى مجلس النواب، ولسان حالهم " ما حدن أحسن من حدن"، مع ما يشوب هذا المنطق من تفسيرات خاطئة لممارسة الديمقراطية الصحيحة ولعدم الإيمان بأن صوته قادر على صنع الفرق.
المهم في هذا اليوم الإنتخابي الطويل أن الإنتخابات قد حصلت ولم تعكر صفوه حوادث أمنية كبيرة تبرر لنواب الأمة إقدامها على التمديد ليس مرة بل مرتين.
وإلى الأحد الإنتخابي المقبل ولنا موعد مع جبل لبنان، على أمل أن تكون نسبة المشاركة في التصويت أعلى نسبياً من بيروت بالتحديد.