كان يُمكن الاقلام (أقلام الحبر) ان تملأ صفحات التاسع من أيار بمضمون واضح، منذ أسبوع وأكثر. أصلاً فعلها بعض الإعلام بثقة. كتب نتائج اليوم الاول من الانتخابات البلدية والاختيارية قبل حصولها، فتطابقت! ليس في الامر قوّة خارقة او "اينشتاينيّة" في التحليل واستشراف المستقبل. كلّ شيء حصل كما يُفترض ان يكون. لا تثير محصّلة النهار الانتخابي، تحديداً في بيروت، أي من مشاعر الإستغراب او الدهشة أو المفاجأة.
فازت "لائحة البيارتة"، المدعومة من معظم الاحزاب السياسية، في العاصمة. وهل من كان يتوّقع غير ذلك؟! على الأرجح لا، ليس لأن "زيّ ما هيّ" تلبي طموحات البيروتيين او تطرح برنامجاً انتخابياً قابلاً للتطبيق، بل لأسباب كثيرة واضحة المعالم.
فعلى رغم وضعها برنامجاً انتخابياً واعداً وحرصها على ضمّ وجوه شبابية من اصحاب الكفاءة والتأثير بالاضافة الى العنصر النسائي، لم تتمكن "بيروت مدينتي" من اقناع الناخبين البيروتيين بأنها البديل الذي يستحق فرصة، ولو لمرة واحدة. صحيح انها استطاعت تسجيل خرق ملحوظ في مجريات المشهد الانتخابي السائد، ونجحت في ايصال رسالة مفادها ان لبيروت ناسا موجودين فعلاً، يكتبونها ويرسمونها ويغنونها بطريقة مختلفة، الا انها لم تتبلور الى ثورة كما كان يشتهي مرشحوها. لماذا؟ الاحتمالات كثيرة ومحيّرة: هل لأنها لم تملك الوقت الكافي والامكانيات المطلوبة من اجل الحشد والاقناع واثبات الذات، لا سيّما وانه حتى الامس القريب كان اجراء الانتخابات البلدية والاختيارية غير مؤكد؟! هل لأن الشعب بات يرتاب من تسمية "مجتمع مدني"، او لنقل غير مؤمن بقدرته على احداث التغيير المنشود (بفعل ازمة النفايات وما رافقها من فشل وافشال للحراك في الشارع) او بقدرته على مواجهة "المحادل" السياسية في ظلّ النظام القائم؟! تتعدد الاسباب والنتيجة واحدة، وبتوصيف يحمل لفحة تفاؤل، قد نقول ان "بيروت مدينتي" ربما خسرت معركة لكنها لم تخسر الحرب!
الأمر ذاته ينطبق على لائحة "مواطنون ومواطنات في دولة". بنفسه يوحي الوزير السابق، الثائر شربل نحاس ان هدفه كسب الحرب في نهاية المطاف، لا مجرد الفوز بمعركة من هنا او هناك. هو نفسه كان مدركاً ان لائحته لن تطيح بلائحة البيارتة التي دعمها الاضداد، لكنه هكذا، يأبى الا ان يواجه ويشاكس و"يصارع" ويتحدى، لأن "مشروعه أوسع من مساحة القفص".
ثم ان "لائحة البيارتة" أو كما سميّت، لائحة السلطة، جمعت المتخاصمين في السياسة، فدعت معظم الاحزاب السياسية الى الاقتراع لمرشحيها. ونعم، ثمة "شعوب لبنانية" وفيّة لأحزابها، للقائد، لربّ العمل...ومتخوّفة منهم!
حتى فيما خصّ تدني نسبة الاقتراع، لم يكن الامر مفاجئا. يقول وزير الداخلية نهاد المشنوق في احدى تغريداته الحديثة: " في بيروت، تاريخيا، نسبة الإقتراع متدنية. لأن العصبية في القرى أكثر شدة وفي المدن أقل، بشكل عام". لم تختلف فعلاً نسبة الاقتراع عن تلك التي سجلّت في الانتخابات الماضية، ولكن من قال ان الناخب كان آنذاك افضل حالاً؟! لعلّ الردّ (على تعليق المشنوق)الذي صدر عن جمعية "سكر الدكانة" هو الأبلغ: " في بيروت نسبة الاقتراع متدنية بسبب فقدان الأمل بالتغيير، وبسبب هجرة سكان بيروت".
لا يُنتظر من مواطن سيطر عليه اليأس ان يتحرّك. ولا من مواطن بات بارعاً في التأقلم السلبي، حتى حين ابتلعته نفاياته، ان يقوم بردّ فعل ملحوظ. لا، ليست نسبة الاقتراع المتدنية موقفاً سجلّه الناخب البيروتي للاعتراض على واقعه الاليم وافهام السلطة الحاكمة بأنه لم يعد يؤيدها لما يعيش من معاناة، فمع انها طبيعية ومتوقعة، الا انها تُظهر للاسف ان الناخب اللبناني لا يزال يجهل او يتجاهل معنى الورقة البيضاء في صندوقة الاقتراع.
كلّ ما حصل وما سيحصل في الانتخابات البلدية والاختيارية "طبيعي" ومتوقع. تُختصر كل المسببات بواقعة واحدة بدأت لحظة التمديد الاول للبرلمان، ثم الثاني (بحجة الوضع الامني) ثم "الاحتفال" بدخول الفراغ الرئاسي عامه الثالث.