مرّ 3 أيام على الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في لبنان. وقد صدق الزعماء اللبنانيون مع أنفسهم، قرر كل واحد منهم أن يجاهر بما يضمره بلا ديبلوماسية وكل منهم على طريقته. لا لكل خزعبلات المجتمع المدني وترهاته، الطائفية والتكتلات الحزبية هي الأجمل والأبقى. لم تبخل صناديق الاقتراع بالفضائح والرسائل، وان كان بديهياً ان تكون الرسائل موجهة إلى الشعب فثمة رسائل موجهة بالقدر نفسه الى المستوى القيادي خصوما وحلفاء.
ففي بيروت التي غلبت خيار الصمت (80% لم يدلوا بأصواتهم) من المبالغة الحديث عن نصر صريح لتيار المستقبل وللائحة "البيارتة" التي جمعت أغلبية أحزاب السلطة. فهذه اللائحة التي تابع الرئيس سعد الحريري حملتها الانتخابية بنفسه حققت فوزا سياسيا بنسبة أقل من 10%من أصوات أهالي العاصمة. لائحة "بيروت مدينتي" بوجوهها الجذابة وشعاراتها المدنية وطابعها الحديث أظهرت فرقا بسرعة قياسية لكنها لم تخرق. فالرئيس الحريري أثبت أنه ما زال الزعيم الأول في الشارع السني في بيروت حيث استطاع أن يستفز مناصريه بقوة وان يدفع بجمهور تيار المستقبل لإلتزام لائحة البيارتة كما هي. أيضا التزم جمهور الأرمن قرار حزب الطاشناق فلم تتسرب أي من أصواته لصالح "بيروت مدينتي". لكن ذلك لم يكن حال بقية المكون المسيحي (الكتائب، القوات والتيار الوطني الحر) إذ تشي الأرقام في دائرة بيروت الأولى(الرميل والأشرفية والصيفي)بأن "بيروت مدينتي" استطاعت استمالة الصوت المسيحي لصالحها (9000صوت لصالح بيروت مدينتي مقابل أقل من 7000صوت للائحة البيارتة) رغم تعميم مسيحي على مستوى القيادات بضرورة التصويت للائحة البيارتة حتى لا يشك الحريري برغبة مسيحية بالتنصل من مبدأ المناصفة الذي كرسه الطائف.
أما حزب الله الذي ضحى بمقعده البلدي في الـ 2010 في بيروت احتجاجا على بلوغ مفاوضات انضمام التيار الحر الى اللائحة الإئتلافية حائطا مسدودا فقرر أن ينأى بنفسه عن الانتخابات البلدية في العاصمة أيضا في الـ 2016 تاركا الأمور فيما يتعلق بالمكون الشيعي لحركة أمل، حيث صبت أصوات المقترعين الشيعة لصالح لائحة البيارتة. قرار حزب الله النأي بنفسه كان ترجمة لرغبة الحزب بعدم تحويل الإختلافات في هذه المرحلة الى خلافات علنية قد تتسبب بنكبة للمكون السني في بيروت.. فحزب الله يريد الحريري مكسورا لكنه لا يريده خارج اللعبة حاليا، والتوقعات تشير الى ان الحزب لو قرر ان يحشد أصواته لتصب في مصلحة بيروت مدينتي لأستطاع أن يقلب الموازين لكنه لم يفعل.
يدرك نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم شخصيا في إدارة العملية الإنتخابية في بعلبك وليعلن فوز لوائح التنمية والوفاء في 60 بلدية وايضا في مدينة بعلبك وبريتال حيث اتسمت المعركة البلدية فيهما بطابع سياسي متجاوزا الاطار الانمائي والعائلي.. تشي المشاركة المرتفعة سيما في الهرمل (حيث وصلت نسبة الاقتراع الى اكثر من 50%) بأن نار المنافسة حامية وبأنه ما زال لتحالف حزب الله وحركة أمل قدرة كبيرة على التعبئة الشعبية وبأنه لا بد من الدفع بإتجاه مجالس بلدية تواكب احتياجات البيئة الحاضنة لأن رياح التغيير التي تعصف بجميع الأحزاب اللبنانية ليست بعيدة عن الحزب والحركة (اذ تشهد بعلبك مثلا حراكا شبابيا معترضا يعتصم في ساحة السراي متأثرا بالحراك المدني في بيروت). يراهن تيار المستقبل على كسر شوكة الحزب في هذه المناطق لذا لم يكن مستغربا ان ترتفع نسبة الاقتراع السني الى 56%مقابل 41% لدى العائلات الشيعية وان تجير جميع أصوات مناصري التيار لصالح اللائحة المنافسة لحزب الله.
أما في زحلة "عاصمة الكثلكة" فقد حسم الصوت الماروني المعركة، وأثبت تفاهم معراب انه سيكون للتحالف المسيحي المسيحي الكلمة الفصل في أي مدينة تحمل رمزية وهوية مسيحيتين، إذ يبدو أن المكون المسيحي (العوني والقواتي) ما زال يذكر جيدا أن هذه الدائرة الإنتخابية هي التي أعطت الأكثرية النيابية لفريق الحريري عام2009 لذا لم يكن مفاجئا ان توجه القوات صفعة لتيار المستقبل الذي حاول أن يرد على عرس معراب بخلط الأوراق الزحلية، أما حزب الله الذي حاول توزيع الأصوات بين اللوائح الثلاث بميزان الجوهرجي فله أسهم في اللائحة الفائزة، اذ أن العوني (الحليف المفترض) يتفهم قرار حزب الله بعدم قطع خيط معاوية مع الأطراف الزحلية كافة.
يتفهم العونيون حرص حليفهم (رغم عدم تطابق الحسابات في الانتخابات البلدية) على الا يؤدي الاستحقاق البلدي الى تراكمات وذيول تثقل الإستحقاق النيابي لاحقا.فحزب الله يتفهم أيضا ذهاب التيار الى اتفاق ائتلافي في بيروت مع المستقبل دون الرجوع اليه. الثقة كبيرة ومتبادلة بين السيد والجنرال، يدرك الاثنان أن للمعركة البلدية أبعادا سياسية أكبر من هذا الاستحقاق العابر. وبأن المعركة البلدية مرتبطة مباشرة بالإصطفاف السياسي الذي يفرض نفسه لاحقا على استحقاق الانتخابات البلدية بل واكثر من ذلك على استحقاق الرئاسة الأولى.انتخابات زحلة كانت تشكل تحديا وجوديا لميشال عون. كان لا بد لصناديق الاقتراع فيها أن تكرس اتفاق معراب ـ الرابية . وهذا ما حصل.فأصوات حزب الله لصالح الكتلة الشعبية كانت بمعدل الوفاء الحريص. وفاء لإرث ايلي سكاف وحرص على عدم حدوث خرق اسكافي. السيدة مريام سكاف التي يتوقع ان تكون من ضمن الحصة المسيحية لتيار المستقبل في الانتخابات النيابية المقبلة لم تستطع ان تكسر شوكة إنتصار التفاهم المسيحي الذي أرادته الرابية ومعراب فاتحة لإنتصارات أخرى يراهن عليها في جبل لبنان وصولا الى جزين.شد العصب الماروني كان أقوى. و"دار السلام"خلعت العباءة العائلية لترتدي عباءة حزبية. تمثلت بفوز لائحة إنماء زحلة المدعومة من الأحزاب المسيحية بكاملها وبخسارة مدوية للائحة فتوش وخسارة صعبة للائحة سكاف.
وفي راشيا، فقد نجح الوزير وائل أبو فاعور بتحقيق فوز كبير للائحة "إنماء راشيا" المدعومة من "الحزب التقدمي الاشتراكي" على لائحة أبناء راشيا . اذ استفاد الحزب الى اقصى حد من الميول الانسحابية للأحزاب الأخرى وراهن على وفاء راشيا والوقت المناسب لرد الجميل للوزير ابو فاعور الذي قرر الأنخراط على نحو مباشر في الانتخابات البلدية ليثبت أن راشيا تقدمية اشتراكية وأنه لا الإصرار على المواجهة ولا 40% من إرادة المقترعين لها أن تغير شيئا او تقفز فوق قرارات المختارة ولوائحها.
فضائح العملية النتخابية كبيرة، اذ تؤكد الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات في تقريرها ان ثمة تراجعا ملموسا في أداء إدارة العملية الإنتخابية وارتفاعا في نسبة المخالفات واشارة الى ان اللبنانيين تعرضوا للكثير من الضغوط السياسة ولا سيما اللعب على الوتر الطائفي والمعيشي .
فضائح الصناديق أكبر اذ اثبتت أن ذريعة الوضع الأمني (ذريعة تأجيل الانتخابات النيابية) كانت أكذوبة وأن المجلس الدستوري تواطأعلى توصيف الظروف الإستثنائية لتمرير قرار سياسي ومنحاز لتمديد للمجلس النيابي).أثبتت الصناديق أيضا أن النظام الطائفي والحزبي شرس وأن المطلوب لمواجهته ليس عفة سياسية وانما شراسة سياسية موازية ضمن اللعبة الديمقراطية (فالسياسة ليست تهمة) وأن التغيير لا يكون بإصطياد الفرصة السانحة او استغلال حالة اليأس بل ببرنامج يعبر عن مصالح الناس الذين يشاركون في صوغه.. أثبتت ارقام الصناديق حاجتنا لقانون جديد للانتخابات يتيح فرصا متساوية للمشاركين بحسب أحجامهم وتمثيلهم.
أثبتت صناديقنا وأرقامها أن التحالف على مستوى القيادات ليس كافيا وان ابتسامات الزعماء لا تشي بأن الأعراس والأوراق والأحلاف بألف خير.