لم تعد تداعيات استمرار الصراع السوري وزراً ثقيلا على دول الجوار فقط وانما تحولت الى عبء ثقيل على محركي اللعبة في المنطقة كلها، الذين تحولوا الى رهينة "حل" ممسوك بين قوتين ذات خصومة تاريخية قديمة وهي ايران والسعودية، لا يمكن حل الخلاف في ما بينها بـ" بوس اللحى " والسلام ، كما لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها نظراً إلى الدور الدولي والاقليمي الكبير الذي تعلبه هاتان القوتان على الساحة الشرق اوسطية من خلال حلفائهما فيها، وامتلاكهما القدرة ، اقله، على هزّ المعادلات القائمة أو تحريفها عن وجهتها.
من هنا وامام استشعار كل من اللاعبين الروسي والاميركي بشكل خاص بتآكل كل الجهود التي بذلت منذ الاتفاق النووي وحتى اليوم، بفعل عدم التوصل الى حلول ذات أسس واضحة تحسم الصراع الدائر في سوريا وتؤسس انطلاقة ثابتة لترتيب باقي أوراق المنطقة وفقا للرؤية الجديدة التي يفرضها تنفيذ الاتفاق، كان لا بد من طرح أوراق لعب جديدة يتوسم من خلالها اللاعبان الاميركي والروسي فتح اوراق مفيدة لهما، قد تعجل من حل الملف السوري . فوقعت القرعة على اللاعب الفرنسي باعتباره اللاعب الوحيد الذي ما زال يحافظ على مسافة واحدة من كلتا القوتين السعودية والايرانية، وهو ربما الاقدر على تحقيق نوع من التفاوض غير المباشر بينهما نظرا إلى خلو العلاقة التي تربطه بهما من أي موقف نافر أو سلوك عدائي حيالهما أو حتى حيال حلفائها، مما يجعل منها عاملاً مطمئناً موثوقاً به الى حد ما من قبل كل من القوتين. وربما هذا ما يفسر دوران المحركات الفرنسية مجدداً وبزخم في كل الاتجاهات في سبيل "نزع الغام الازمات الشرق اوسطية "وفقا لما وصفته صحيفة "لوفيغارو "الفرنسية الشهر الماضي، وقد برزت ترجمات ذلك مؤخراً مع استضافة العاصمة الفرنسية "باريس" الاثنين الماضي اجتماعا للممثلي المعارضة السورية، ومن بينهم رياض حجاب منسق الهيئة العليا للمفاوضات، ووزراء من الولايات المتحدة الاميركية والسعودية وقطر والامارات وتركيا وبريطانيا، وذلك في اطار إعادة المياه الى مجراها الطبيعي في مفاوضات جنيف، عبر اعادة تشكيل نوع من الالتفاف والدعم والاسناد الجازم للمعارضة السورية وبشكل خاص الهيئة العليا للمفاوضات، محاولة بذلك تمرير "كرة" تطمين للاعب السعودي "تقف بالخاطر" وتدفعه لخفض سقف تعنته حتى ولو بدرجة صغيرة.
وتأكيداً على ذلك ما أسفر عنه الاجتماع وفق لما صرح به وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت بأنه سيتم الطلب بأن تقوم موسكو بالضغط على النظام السوري ليوقف قصفه على المعارضة المعتدلة، مضيفاً أن فرنسا في حوار ونقاش دائمين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول ذلك.
في المقلب الآخر، لاشك في أن حصة لبنان من الخبز الفرنسي مازالت محفوظة ولاسيما بحكم العلاقة الاستثنائية التاريخية التي تربط البلدين ووقوع لبنان موقع مفتاح فرنسا الثمين في الشرق، من هنا فإن الحراك الفرنسي على خط "خرق الجدار" الفاصل بين القوى المتصارعة الايرانية والسعودية، سيمر ايضاً عبر لبنان، الذي يبدو ان الاستقرار فيه يقترب من الانتهاء في مدة صلاحيته، في ظل استشعار وتلمس القوى الخارجية لذلك، خاصة في ظل فراغ رئاسي طويل، مصحوب بانفجارعدد من الملفات الداخلية وما رافق ذلك من تحركات في الشارع اللبناني، وعجز القوى السياسية عن معالجتها أو حتى ضبط قواعدها الشعبية حيالها.
من هنا جاءت رسالة الرئيس فرنسوا هولاند الاخيرة الى رئيس مجلس النواب نبيه بري يبلغه فيها أان فرنسا تعمل من اجل حل ازمة انتخاب رئيس الجمهورية، والتي تسبق اسابيع قليلة من لقاء الرئيس هولاند مع ولي العهد السعودي ومن بعدها لقاءه مع وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف.
هذه الرسالة بما تحمل من دلالات تعيدنا ربما الى الفكرة الفرنسية التي سبق وطرحتها في العام 2014، وفق مصادر، بشأن المرشحين للرئاسة والتي تقضي بتوسيع دائرة النقاش حول المرشحين التوافقيين من خارج المرشحين البارزين، حيث ذكرت المصادر حينها دخول اسم قائد الجيش جان قهوجي وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ولائحة بكركي لقائمة المرشحين الرئاسيين.
ربما من السابق لأوانه قراءة نتائج الحراك الفرنسي الجديد بشكل دقيق وصائب حيال ملف الرئاسة اللبناني تحديداً، ولكن ما يمكن البناء عليه هو الانفتاح الايراني الواضح والصريح في اتجاه فرنسا، والذي عبر عنه مساعد وزير الخارجية الايراني في شؤون اوروبا واميركا مجيد تخت روانجي الاسبوع الماضي لدى لقائه الامين العام للخارجية الفرنسية كريستين ماسه من خلال اعلانه "استعداد ايران للتعاون مع فرنسا في مختلف المجالات بما فيها القضايا الاقليمية"، مما يؤشر الى ان قابلية ايران "مفتوحة "على التفاوض في كل الملفات المتأزمة، بالطبع ملف لبنان واحد منها، وربما هذا ما يفسر عدم تأخر رد الرئيس بري غير المباشر على رسالة الرئيس الفرنسي هولاند له، وفق ما نقله عنه النواب في لقاء الاربعاء النيابي والذي جاء فيه بانه "اذا لم يتم التوافق على قانون انتخاب جديد فيمكن تنظيم الانتخابات النيابية وفق القانون القديم"، وفي حال لم يتم التوافق على قانون انتخاب وتقصير ولاية مجلس النواب فعندها يجب ان يكون هناك تعهد من الكتل بانتخاب رئيس للجمهورية، واذا تغيب أحد فبمن حضر"، بما في ذلك من مؤشر على وجود توجه واضح لحشر الاطراف من اجل تمرير أي من الاستحقاقين الرئاسي والنيابي وباسرع وقت ممكن، واضعاً بذلك بعض القوى امام خيارات احلاها "مر" ، ولاسيما بعد انكشاف "الستار" عن الاحجام الحقيقية لها، والتي فضحتها نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية الاخيرة.
(ميرفت ملحم ـ محام بالإستئناف)