بينما لا تزال أصداء "وثائق بنما" التي سرّبتها شركة "موساك فونسيكا" للإستشارات القانونيّة تتردّد في أماكن مختلفة من العالم، منذرة بالكشف عن تورّط المزيد من الشخصيّات في عمليّات التهرّب الضريبيّ وتبييض الأموال عبر الملاذات الضريبيّة الآمنة (الأوفشور)، فإنّ الشكوك في الوقت نفسه ما زالت تساور العديد من المهتمّين بتداعيات هذا الملفّ الشيّق، سواء من جهة صدقيّة الوثائق المسرَّبة أم من جهة الأهداف الحقيقيّة المرجوّة من تسريبها، وخصوصاً بعدما كان القيّمون على موقع "ويكيليكس" قد كشفوا منذ البداية، وتحديدًا في السادس من نيسان الفائت، أنّ ثمّة جهاتٍ رسميّةً وخاصّةً قامت بتمويل الائتلاف الدوليّ للصحافيّين الاستقصائيّين من أجل نشر الوثائق، من بينها وكالة التنمية الدوليّة الأميركيّة (يوسايد) والملياردير اليهوديّ الأميركيّ (المجريّ الأصل) جورج سوروس، وذلك سعياً إلى "شنّ هجومٍ موجَّهٍ ضدّ روسيا وبعض الدول السوفييتيّة السابقة، وبالأخص ضدّ الرئيس فلاديمير بوتين". وممّا قاله متحدّث باسم "ويكيليكس" يومذك: "ربّما يقوم المشروع الأميركيّ لرصد الجريمة المنظّمة والفساد بعملٍ جيّد، ولكنّ حصوله على تمويل مباشر من الحكومة الأميركيّة لشنّ هجوم على بوتين يثير شكوكًا حول نزاهته".
المعروف أنّ الرئيس الروسيّ، وفي معرض أوّل تعليق له على الموضوع، كان قد أعلن خلال ندوة إعلاميّة استضافتها مدينة سان بطرسبورغ في اليوم الذي تلى تسريب هذه الوثائق المثيرة للجدل "أنّ تلاحم الأمّة الروسيّة هو أكثر ما يثير قلق منتقدي روسيا، ولهذا يحاولون هزّ الأمّة في روسيا من الداخل"، مؤكّداً بهذا الكلام أهمّ الجوانب المتعلّقة بما كشف عنه "ويكيليكس".
بيد أنّ النقطة الأهمّ في هذا السياق تتمثّل في أنّ مجرّد الإشارة إلى ضلوع جورج سوروس في تمويل عمليّة تسريب الوثائق تعطي بدورها كلًّا من مواقف الرئيس بوتين واتّهامات موقع "ويكيليكس" الكثير من الصدقيّة، خصوصاً أنّ سجلّ هذا الرجل المولود في بودابست عام 1930، والذي يُشاع أنّه عانى من عقدة نفسيّة منذ سنوات طفولته المبكّرة جرّاء اضطرار والده عام 1936 إلى تغيير اسم العائلة من شوارتز إلى سوروس خوفاً من معاملة النازيّين لليهود، وكذلك على خلفيّة رؤية أمّه أثناء اضطرارها إلى رسم إشارة الصليب على صدرها لكي تقنع الجنود الألمان بأنّها ليست يهوديّة، هو سجلّ حافل في مجال تمويل العديد من التحرّكات الانقلابيّة المشبوهة التي أدّت إلى زعزعة الاستقرار في أكثر من دولة في العالم، بدءًا من دوره في تأسيس وتمويل مركز "ميديا سنتر" في بلغراد عام 1999 بغية توفير "الملاذ الآمن" لقوى المعارضة اليوغسلافيّة التي أطاحت في ما بعد بنظام الرئيس الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش، مرورًا بتقديمه كافّة أشكال الدعم للثورات الملوّنة في كلٍّ من أوكرانيا عام 2004 وجورجيا عام 2005، ووصولاً إلى تبرّعه في شهر تشرين الأوّل عام 2010 بمبلغ قدره 200 مليون دولار لإحدى المنظّمات الحقوقيّة مقابل التركيز في تقاريرها على تراجع الحرّيات وانتهاكات حقوق الإنسان في تونس ومصر، الأمر الذي ساهم في توفير المناخ الملائم لاختبار فاعليّة شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" وإمكانيّة تحقيقه في الشارع. وثمّة تقارير استخباراتيّة عديدة تفيد بأنّ سوروس ضالع حتّى النخاع في كلّ ما تمرّ به المنطقة من ويلات في إطار "ربيع العرب"!
وإذا كان كلّ ما تقدّم ليس أكثر أو أقلّ من نقطةٍ في بحر ما لدى هذا الرجل الثمانينيّ من شؤون وشجون، فإنّ اللافت خلال الأسبوع الحاليّ هو أنّ الائتلاف الدوليّ للصحافيّين الاستقصائيّين نشر مساء الاثنين الماضي الجزء الثاني من "وثائق بنما"، مطلقًا خاصيّة تتيح البحث عن المعنيّين وفقًا لأسمائهم وأسماء شركاتهم وبلدانهم.
وليس من باب المبالغة القول إنّ هذه الخاصيّة الجديدة للبحث، ساهمت في التوصّل إلى استنتاج غريب ومثير مفاده أنّ لبنان مسجّل بوصفه مقرّ إقامةٍ لتاجر سلاح إسرائيليّ يدعى غبريئيل غونين ليفي، وهو صاحب مجموعة شركات مسجّلة في جزر العذراء البريطانيّة تحت اسم "GSS GROUP". ولعلّ الغريب والمثير في هذا الأمر هو أنّه بينما تُظهر الوثائق أنّ عنوان مقرّ الشركة الأمّ للمجموعة يقع في مكتب المحاميّ الإسرائيليّ تسافي نيتسر في أبراج أفيف في منطقة رمات غان شمال تل أبيب، فإنّ العنوان الرسميّ الخاصّ لمالكها غونين ليفي، بحسب ما هو مدوّن في سجلّها التجاريّ، يقع في شارع سان جوزيف (مار يوسف) في منطقة برج حمّود شرق بيروت؟!
استنتاجٌ لا شكّ أنّه أصبح الآن بحوزة الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة، حيث التحقيقات ستكون بمثابة امتحان، يُكرم على أثره جورج سوروس أو يُهان.