اللقاء التاريخي بين البابا فرنسيس وشيخ الأزهر الشريف احمد الطيب بدأ بتحية عادية وانتهى بتبادل القبلات بين الرجلين، بما يمثلانه من مقام أول في المسحية وفي الإسلام.
وفي هذه العلامة أكثر من معنى وأكثر من إشارة، وهي تعني بالعربي الدارج أن ما دار بين الرجلين في هذا اللقاء المميز قد تخطىّ الشكليات وغاص في عمق ما يجمع بين المسيحيين والمسلمين من قيم مشتركة، وهما ينتميان إلى ديانتين تدعوان إلى المحبة والتسامح والرحمة، في زمن تطغى عليه سمة التعصب ورفض الآخر، بعد الحركات المتطرفة التي تسيء إلى الإسلام اكثر مما تلحق الأذى بالمسيحيين، وهم في نظر هذه الجماعات التكفيرية سواسية من حيث مخالفتهم كل ما لا يمت إلى ما تعتقده صواباً، فيما الآخرون، أياً يكن هؤلاء الآخرون، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين، هم على خطأ، ناسفة بذلك ما كان يقوله الإمام الشافعي عن أي حوار بين اثنين، وهو أن كلامي فيه من الصواب ما يحتمل الخطأ، فيما كلام الآخر خطأ يحتمل الصواب. وبذلك تكتمل حلقات الحوار المنتج والمثمر، وليس حوار الطرشان، الذي يقوم على قاعدة أن كل ما أقوله انا هو الصواب بعينه، فيما ما يقوله الآخر هو الخطأ بذاته.
أن يبدأ لقاء الرمزين بتحية وينتهي بقبلة فله دلالات تتخطى اللحظة وتؤشر إلى ما يمكن أن يقوم بين المسيحيين والمسلمين من تعاون مستقبلي لمواجهة التطرف والتعصب في كلا الإتجاهين، وإلى ما يمكن أن يوحد الرؤى بينهم لما فيه خير البشرية جمعاء، وذلك بعد عشرات السنين من حالات التجافي بين الفاتيكان والأزهر.
وقد يكون ما دار بين البابا فرنسيس والشيخ الطيب من محادثات أقرب ما يكون إلى الفهم لدى اللبنانيين والمصريين، الذين خبروا معنى العيش الواحد بين المسيحيين والمسلمين، على رغم ما شاب هذه العلاقة من سوء فهم تأثر في مرحلة من المراحل ببعض الأجواء المحيطة بهم، غرباً وشرقاً، لكنهم خرجوا من هذه التجربة كالذهب الذي تصقله النار.
فما قبل لقاء الفاتيكان ليس كما قبله، نظراً إلى ما يمكن التأسيس عليه لمواجهة ما يتعرض له الإسلام من تشويه من قبل تلك الجماعات التي تكّفر من لا يماشيها في ما تعتقده صواباً، وهو الخطأ بحدّ ذاته، وما يُلقى على المسيحيين من تبعات لا تزال حاضرة في أذهان البعض عن حروب صليبية طواها الزمان إلى غير رجعة.
فبين الحاضر والماضي الكثير من الومضات والكثير، على أمل أن يحمل لقاء الفاتيكان للمستقبل ما يجعل المسيحية والإسلام يلتقيان على الخير ويقفان في وجه محاولات التشويه. وفي ذلك الكثير من التحديات وتخطي زمن الأنا.