هل هو عامل ابتكرته الولايات المتحدة للضغط على ايران في تطبيقها لبعض بنود الاتفاق النووي الذي أقرّ منذ حوالي العام بين طهران ودول مجلس الأمن، والذي يتعرّض تنفيذه في بعض جوانبه لعملية "شدّ حبال" بين المعنيين؟ أم هو سلاح يستعمله الغرب وواشنطن تحديداً في وجه "حزب الله"، ومن خلاله ضدّ ايران ونظام الرئيس بشار الأسد، للإبقاء على معادلة معينة في سوريا عبر تحجيم هذا المحور؟ ام هو عقاب تفرضه الادارة الاميركية على حزب الله لمسؤوليته في ابقاء الفراغ الرئاسي، أم أنّه وسيلة جديدة أوحتها تل أبيب لواشنطن للهجوم على عدوّها الأكبر في المنطقة، أي المقاومة، علماً أن اسرائيل لها تأثير مباشر على أهم المصارف العالمية خصوصا في الولايات المتحدة وبالتالي على السياسة المالية في العالم ؟ أم انه خطوة إضافية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب فقط لا غير، ام انه قانون ذات أبعاد مصرفية صرف، لا يخرقه أي اعتبار آخر ولا تدخّل عليه سياسات الدول ومصالحها؟
فان لم تتضح حتى الساعة معالم وهوية القانون الجديد الذي أصدرته وزارة المال في واشنطن وصوّت عليه الكونغرس الأميركي منذ حوالي الشهرين في إطار مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والذي يطال تحديدا "حزب الله" ومموّليه، الا أن الاتجاه الذي سوف تسلكه المصارف في لبنان بتوجيهات ومراقبة المصرف المركزي وحاكمه رياض سلامة قد بات واضحاً ومقبولاً الى حدّ بعيد من كافة الجهات المعنية بما فيهم "حزب الله"، وهو الالتزام التام بهذا القانون ومعاييره من جهة، وأخذ كافة لإجراءات لتجنّب الوقوع في تعظيم الأمور وفي الخطوات التعسفية من باب المزايدات غير المجدية من جهة إخرى.
وكما تشير أوساط مطلعة في البنك المركزي، لا يمكن أن تطبّق المصارف هذا القانون من دون إشراف مباشر ودائم من قبل البنك المركزي تفادياً لأي تجاوز باتجاه أو بآخر، علما أن الهيئات الرقابية الأربع للمصارف في لبنان تعمل أصلا تحت مظلّة البنك المركزي وهي: الهيئة العليا المصرفية (The Higher Banking Commision)، لجنة الرقابة على المصارف (The Banking Control Commission)، هيئة التحقيق الخاصة لمكافحة تبيض الأموال(The Special Investigation commission) وهيئة الأسواق المالية(The Capital Market Authority)، ما يجعل سلطة المصرف المركزي عليها وقدرته على مراقبة عملها أكثر فعالية، والتنسيق في ما بينها كثر إنتاجا، كونها كلّها تحت مظلّة واحدة.
ومن المشاكل التي قد تواجه تطبيق القانون هو المبالغة في التعاطي معه من قبل مكاتب الامتثال (Compliance Offices) في المصارف تحديدا، وهي الجهة المعنية بالتأكد من انطباق المعايير مع القوانين قيد الاجراء، على أساس ما يعرف بالDe-Risking، أي مبدأ تخفيض المخاطر.
ولأن مجالس إدارة بعض المصارف تشجع هذه المكاتب على اتخاذ أقصى الإجراءات لأسباب تتعلّق أحيانا بانتماءاتها السياسية، يؤدي ذلك في بعض الحالات الى الشطب المباشر لكل شخص يتعامل مع هذه المصارف في اللحظة التي يطرح اسمه علامة استفهام أو بعض الشكوك حوله، مهما كان حجمها وجديتها.
تحويل الرساميل
ومن العوامل التي تدفع مكاتب الامتثال الى التشدّد في اختيارها للزبائن حرصها على إرضاء المصرف المراسل (Correspondant Bank) والمحافظة عليه، خصوصاً أنّ لبنان يعتمد كثيراً في سياسته المصرفية على تحويل الرساميل (Flow of Capital) وهي عمليات ترتكز تحديدا على العلاقة مع المصرف المراسل، الذي بإمكانه التوقف عن العمل مع المصرف اللبناني المقابل اذا ارتأى أنّه، أي المصرف اللبناني، غير ممتثل للقواعد والقوانين قيد الإجراء.
ولكن، وبالإضافة الى كون هذه السياسية الاحتياطية مبالغ بها أحيانا وبالتالي قد تؤدّي الى إجراءات كيدية وتعسفية، يخشى البنك المركزي أن يكون لها مردود سلبي على البنوك نفسها، على أساس أن لا مجازفة لا ربح، أي أن هذه المقاربة لتعامل المصارف مع زبائنها على أساس الاحتياط الى أقصى الحدود قد ترتّب خسارة عليها بفقدانها رؤوس أموال وزبائن لا يُستهان بهم وأحيانا من دون سبب وجيه أو علّة واقعية.
كذلك، تشير الأوساط غلى أنّ التخوّف من عامل الDe- Risking، اذا تجاوز حدود المنطق، قد يؤدي الى معاقبة طائفة بكاملها، بإشارة الى الطائفة الشيعية التي ينتمي اليها "حزب الله"، وفي ذلك ليس فقط خطأ أخلاقي ومعنوي تجاه أبناء هذه الطائفة، بل أيضاً ترتبات مالية لا يمكن تجاهلها، اذ انّ هذه الطائفة تحديداً تعتمد كثيراً مبدأ تحويل الرساميل من والى لبنان، ما يزيد من رصيدها ونشاطها المالي.
وقد خلقت كلّ هذه العوامل جوّاً من الاستياء الشديد في بعض أوساط "حزب الله" الذي هدّدت في الآونة الأخيرة باللجوء الى إصدار تكليف شرعي يحرّم على أبناء الطائفة الشيعية التعامل مع مصرفين تحديداً، تتهمهما هذه الأوساط باتباع سياسات كيدية مع الزبائن الشيعة لأسباب سياسية غير واقعية، الا أنّ المناقشات الجارية مع المصارف من جهة و"حزب الله" ووزارة المال اللبنانية من جهة أخرى، والتي يديرها سلامه، عادت ورطّبت الأجواء.
وفي خطاب ألقاه سلامه منذ بضعة أيام أمام الهيئات المعنية في مصرف لبنان، وأكّد خلاله تقيّد لبنان بمعايير القانون الجديد، عدّد الحاكم الإجراءات التي اتخذتها المصارف في هذا الاتجاه، تثبيتا لالتزامها بالمعايير الدولية، كاخضاع شركات تحويل الأموال لمزيد من الإجراءات والموجبات، ومنع إصدار البطاقات المسبقة الدفع في حال لم تكن مرتبطة بحساب مصرفي، ومنع التعامل مع شركات اسهمها لحامله، وتعديل التعميم الأساسي رقم ٨٣ الصادر عن مصرف لبنان لتعزيز وظيفة الامتثال لدى فروع المصارف والمؤسسات المالية، وأيضاً على مستوى مجلس الادارة. وقد جاءت هذه التعديلات، بحسب سلامة، لتعزيز المتطلبات المفروضة على المصارف العاملة في لبنان، والتي يجب عليها أيضاً التقيد بالأنظمة والعقوبات المطبقة في بلدان المصارف المراسلة المتعاملة معها.
الا أن مصرف لبنان وحاكمه تحديدا على يقين من أن على القطاع المصرفي تجنّب الوقوع في فخّ الإجراءات المبالغ بها والمزايدات في الامتثال، وذلك تفاديا لما في ذلك من سلبيات اقتصادية وسياسية على البلاد. وبعض الضمانات لتجنّب هذه المخاطر موجودة في هيكلية العمل التنسيقي بين المصرف المركزي والمصارف اللبنانية، مرورا بهيئته الرقابة في هذا القطاع.
اذ عمليا، وفي حال اثار أحد زبائن مصرف ما شكوك مكتب الامتثال في هذا المصرف، يبلّغ المكتب إدارة المصرف عن هذه الحالة، فتقوم هذه الأخيرة بدورها الى رفع كتاب في هذا الخصوص لمصرف لبنان الذي يتوجه بطلب من هيئة التحقيق لدرس الملف. وعلى الهيئة تقديم دراستها الى البنك المركزي خلال مهلة أقصاها 30 يوما، يجيب مصرف لبنان على أساسها البنك المعني حول امكانية التعامل مع الزبون. وإذا لم يتقدم مصرف لبنان الى المصرف المعني بكتاب حول الملف، يعود الى المصرف المعني قرار ابقاء الزبون أو التخلي عنه.
وفي حال خالف أحد المصارف هذه الآلية، يمكن للمصرف المركزي إحالته للهيئة المصرفية العليا التي تتمتّع بصلاحيات قصوى تخوّلها شطب المصرف المخالف نهائياً من هيئة المصارف العاملة في لبنان.
وبالاضافة الى هذه الهيكلية التي تؤمن حدّا مقبولا من المصداقية في العلاقة بين المصارف وزبائنها، تعمل السلطات النقدية في البنك المركزي على تأسيس آلية تضمن حق الزبائن في الاحتجاج ضد إي اجراء يعتبرونه تعسفيا ضدّهم، وذلك بتقديمهم شكوى في هذا الإطار الى البنك المركزي عبر وحدة حماية حقوق المودع في مصرف لبنان.