تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

عندما يجلس القيصر بوتين على كرسيّ أباطرة بيزنطيا!

جمال دملج

|
Lebanon 24
01-06-2016 | 01:40
A-
A+
عندما يجلس القيصر بوتين على كرسيّ أباطرة بيزنطيا!
عندما يجلس القيصر بوتين على كرسيّ أباطرة بيزنطيا! photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
يومان من التبارك بعبق جبل آثوس المقدّس والتمتّع بإرث حضارة الإغريق العظيمة، كانا كافييْن لكي يعطيا زيارة الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين لليونان كلّ الاهتمام الذي تستحقّه، وذلك على خلفيّة ما عكسته من دلالات متعدّدة الأبعاد، وخصوصًا من جهة إعادة الاعتبار إلى ما كان يُعرف بـ "المثلّث الأرثوذكسيّ" الذي ظلّ يجمع على مدى السنوات الطويلة الماضية بين روسيا واليونان ويوغسلافيا السابقة، قبل أن تهتزّ دعائمه بسبب الضعف الذي اتّسمت به مرحلة حكم الرئيس الروسيّ الراحل بوريس يلتسين، خلال السنوات العجاف التي تلت تفكّك الاتّحاد السوفييتي، وما نجم عن ذلك على صعيد إفساح المجال أمام الولايات المتّحدة الأميركيّة للاستشراس في استهداف قيم الاشتراكيّة "الباسوكيّة" المتأصلّة في نفوس اليونانيّين عن طريق التصويب على دعائم بلادهم الاقتصاديّة، ومن ثمّ للشروع في شنّ عشرةِ آلافٍ وأربعمئةٍ وأربعٍ وثمانين غارةً جوّيّةً أميركيّةً – أطلسيّةً على يوغسلافيا، في إطار حملة عسكريّة شرسة استغرقت سبعة وسبعين يومًا، وكانت بمثابة الضربة القاضية التي أدّت لاحقًا إلى الإطاحة بنظام الرئيس اليوغسلافيّ الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش، وبالتالي إلى القضاء نهائيًّا على نمط التعايش المشترك الذي كان يجمع بين ستٍّ وخمسين قوميّة وإثنيّة مختلفة على طول تلك البلاد الجميلة وعرضها، تحت مظلّة الاتّحاد اليوغسلافيّ. في البعد الدينيّ، كان لافتًا أن يجلس الرئيس بوتين على كرسيّ أباطرة بيزنطيا بمناسبة مرور ألف عام على إيفاد أوّل إرساليّة أرثوذكسيّة روسيّة إلى جبل آثوس المقدّس، تكريسًا للحضور الكهنوتيّ الروسيّ المستمرّ فيه منذ ذلك الزمن ولغاية اليوم، ولا سيّما أنّ الفضاء البيزنطيّ هو الذي ظلّ يمدّ روسيا بالطاقات الإيمانيّة منذ معموديّتها عام 888، علمًا أنّ عمليّة بناء ركائز المؤسّسة الكنسيّة فيها تمّت وقتذاك على يد الميتروبوليت سيرين القادم من سوريا، وأنّ عمليّة تحوّل هذه المؤسّسة من ميتروبوليتيّة إلى بطريركيّة تمّت في القرن الرابع عشر على يد البطريرك يواكيم الخامس القادم من أنطاكيا، الأمر الذي يفسِّر أسباب متانة العلاقة الوجدانيّة التي تجمع في الوقت الراهن بين الروس ومسيحيي الشرق، مع ضرورة الإشارة إلى أنّ هذه العلاقة بقيت متينة، وإن بنسبٍ متفاوتة، حتّى أثناء الحقبة السوفييتيّة التي انتعش فيها الفكر الإلحاديّ. ولن أكشف سرًّا إذا قلتُ، على سبيل المثال، إنّ الأمين العامّ للحزب الشيوعيّ القبرصيّ (أكيل) الراحل إزكياس بابايوانو، وهو من الشخصيّات الأرثوذكسيّة التي لعبت دورًا بارزًا خلال الحرب العالميّة الثانية، كان قد أبلغني خلال إحدى مقابلاتي معه في نيقوسيا عام 1982 بأنّ الترويج لاعتناق القيادة السوفييتيّة الفكر الإلحاديّ ينطوي على قدر كبير من المبالغة، ويندرج في سياق حملات دعائيّة أميركيّة لم تكن تستهدف سوى الحرتقة والتشويش. ومهما يكن من أمر، لا شكّ في أنّ جلوس القيصر بوتين على كرسيّ الأباطرة البيزنطيّين في جبل آثوس يحمل أبعادًا ودلالاتٍ عديدة، أهمّها أنّ الرئيس الروسيّ أراد التعبير عن أنّ الطاقاتِ الإيمانيّةَ الكامنة في الروح الروسيّة في هذه الأيّام تؤهّل بلاده للعب دور رياديّ على الصعيدين الأخلاقيّ والاجتماعيّ في مختلف أنحاء العالم، وهو ما كان قد أشار إليه بشكل مباشر في خطابه المتلفز إلى الأمّة عام 2014، عندما قال ما مفاده إنّ محاولات الغرب الأميركيّ الهادفة إلى تصدير أزماته الناجمة عن تداعيات الانحلال الأخلاقيّ والتفكّك الأسريّ وثقافة العنف إلى الدول والمجتمعات الأخرى، تفرض على روسيا التصدّي لها بكافّة الوسائل، وذلك من أجل إعادة الاعتبار إلى المبادىء القيَميّة التي تستمدّ عناصر وهجها من الإيمان. وإذا كان ما تقدّم كافيًا لتوضيح أهميّة الدلالة الدينيّة المتعلّقة بزيارة الرئيس بوتين لليونان، فإنّ الأبعاد الاستراتيجيّة والسياسيّة والاقتصاديّة لهذه الزيارة لا تقلّ أهميّة بكلّ تأكيد، سواء من جهة ترسيخ تموضع روسيا على الضفّة المقابِلة للضفّة التركيّة في بحر إيجه، أم من جهة الحوافز الاقتصاديّة ذات المردودات السياسيّة التي عبّرت موسكو عن رغبتها في تقديمها لأثينا، بما من شأنه أن يُنعش الاقتصاد اليونانيّ ويُخرجه من أزمته الخانقة، وخصوصًا في مجال الاستثمار في شبكة السكك الحديديّة ومرفأ تسالونيك المطلّ على منطقة البلقان. أمّا في ما يتعلّق بما يُشاع عن أنّ الزيارة استهدفت إقناع اليونانيّين بالخروج عن الإجماع الأوروبيّ عند حلول موعد تجديد العقوبات المفروضة على روسيا بسبب الأزمة الأوكرانيّة، فهذا كلام لا يتسّم بالكثير من الدقّة، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ قرار رفع العقوبات أو تجديدها لا يخضع لمزاج العواصم الأوروبيّة بقدر ما يخضع لمزاج العاصمة الأميركيّة، وكذلك لإملاءات إدارة البيت الأبيض على الحلفاء الأوروبيّين، وهي الإملاءات التي غالبًا ما درجت العادة على أن تُقاس درجة حدّتها على ميزان حرارة العلاقات الكيديّة بين واشنطن وموسكو، لا أكثر ولا أقلّ. (جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك