هل يشكّل انفجار فردان يوم الأحد الفائت مدخلاً لحلّ عقدة رئاسة الجمهورية بعد أكثر من سنتي شغور في قصر بعبدا، بخلقه جوّاً مقلقاً وتخوفاً جدّياً من انزلاق الاستقرار في لبنان الى منعطفات خطيرة ليس فقط على الصعيد الأمني، بل ايضاً على المستوى المالي، مطاولاً، دفعة واحدة، الركيزتين الأساسيتين للاستقرار في لبنان، أي الأمن والمصارف، ما قد يحتّم تحرّكاً سريعاً في اتجاه حلّ عقدة الرئاسة الأولى بغية تجنّب حالة فلتان مزرية في الداخل اللبناني؟
أم أنّه، على العكس تماماً، سوف يؤدي هذا التطور الى خلق مزيد من العقبات والصعوبات في وجه حلحلة ما على صعيد الرئاسة، نظراً إلى تداعياته على الساحة السياسية وسط اتهامات مباشرة أو غير مباشرة ضدّ "حزب الله"، فينتقل موضوع الجدل البيزنطي حول سدّة الرئاسة من النقاش حول أي رئيس يصلح للمنصب الى تجاذب حول طبيعة الحكومة، التي سوف تواكب العهد الجديد، خصوصاً اذا تصدّى البعض لمشاركة "حزب الله" في أي حكومة مقبلة في ظلّ التطورات الأخيرة ووسط مزاج غربي وتحديدا أميركي معادٍ للحزب؟
بعض المتابعين لملفّ الرئاسة يرون الحلّ لهذه المسألة وشيكاً وقائماً على معادلة السنتين للجنرال ميشال عون، حتى أنّ البحث، بحسب هذه المصادر، قد بدأ يتطرّق الى مرحلة ما بعد السنتين، أي الى من سوف يخلف عون. وتضيف المصادر أنه من بين الأسماء المتداولة والمفضلة لدى "حزب الله" للمرحلة المقبلة، الوزيران السابقان زياد بارود ووديع الخازن، على اساس أنهما من الأشخاص الوسطيين النادرين الذين لا ينقلبون على مبادئهم، وبالتالي هم جديرون بالثقة ومؤهلون لقيادة البلاد.
وتضيف المصادر أن التخوف من تدهور أمني أو اقتصادي قد يسرّع في اتخاذ قرار في اتجاه انتخاب عون رئيساً، وأنّ الذي قبل بالنائب سليمان فرنجية رئيساً لا بدّ من أن يقبّل بعون، في إشارة الى المحور السعودي ومن ضمنه تيار "المستقبل"، وبمعنى آخر أنّ فرنجية أكثر تطرفاً وتشدّداً من عون في انخراطه بالخط المقابل، نظراً إلى علاقاته القوية بالنظام السوري و"حزب الله".
ولكن لا شكّ في أنّ التطورات الأخيرة، من الحصار المالي على "حزب الله" الى الانفجار الأخير في فردان، زاد الأمور تعقيداً في ما يتعلّق بالمرحلة المقبلة، خصوصاً أن انتخاب أي رئيس مرتبط بعناوين أخرى وفي مقدّمها الرئاسة الثانية، وبشكل الحكومة التي سوف تؤلّف في بداية عهد الرئيس الجديد، وما اذا كانت مشاركة "حزب الله" فيها سوف تكون أمراً سهلاً وسط هذه الأجواء السائدة والمعادية له، علماً أن لا مجال لقيام أي حكومة لا يكون الحزب جزءاً منها، كما أنّه لا مجال لأن يقبل الحزب بحكومة تكنوقراط يبقى هو خارجها كمخرج لهذه العقدة، وقد سبق أن أبلغت أوساطه هذا الموقف لأكثر من جهة معنية بهذه المسألة.
كذلك، فانّ موضوع البيان الوزاري وكيفية مقاربته للمقاومة زاد صعوبة في ظلّ التطورات الأخيرة، ما دفع ببعض المراقبين لأن ينعوا نهائياً امكانية التوصل الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية في القريب المنظور، ليس لأن هذه المسألة مستحيلة بحدّ ذاتها، بل لأن لا مجال لاتفاق حول الأمور المواكبة لها في ظلّ الأجواء الحالية، خصوصاً أنّ انتخاب عون للرئاسة كما هو مطروح بجديّة منذ فترة يرسّخ مبدأ الرؤساء الأقوياء في الرئاسات الثلاث، ما يعطي الأولية لوصول رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري الى سدّة الرئاسة الثانية، ومعه المواقف المتشدّدة من حزب الله نظراً للخط السياسي الذي ينتمي اليه، ما قد يفضي الى عرقلة في عمل المؤسسات وفي الحياة السياسية اجمالاً.
والتخوف من هكذا سيناريو ليس من تأزّم العلاقات بين رئيسي الجمهورية والحكومة، بل في تأزم الحكومة نفسها اذا أتيح تشكيلها، وتحديداً بين رئيسها المفترض سعد الحريري و"حزب الله" كمكون حتمي منها. وفي هذا الإطار، يعطي وزير سابق مثالاًعلى ذلك:"لو حصل اغتيال مصطفى بدر الدين وكان الرئيس الحريري رئيساً للحكومة فهل كان اتصل بـ"حزب"الله" معزيا؟" هذا غيض من فيض. فالتناقضات تبلغ أعلى مستوى من ذلك بكثير. من هنا جاءت فكرة الوسطيين في الرئاسيتين الاولى والثالثة، وهي المعادلة التي يفضلها الغربيون على قاعدة الحفاظ على "الستاتيكو" القائم. إلاّ أن اوساطاً مواكبة رأت أن رجالاً ذوي خلفيات عسكرية وامنية يطمحون لتولي الرئاسات الثلاث في خطة محكمة بدأت بالانتخابات البلدية ولا تنتهي بالانتخابات النيابية. غير أن هذا الطموح يحول دونه دهاء الطبقة السياسية في لبنان، والتي تعرف كيف تفك شفرات الرسائل وتردّ التحية بأحسن منها.
وفي أي حال، وبالرغم من تفاؤل البعض بحلّ غير بعيد لرئاسة الجمهورية، تشير المعطيات بالاجمال الى أنّ الموضوع معلّق خصوصا في غياب دفع غربي في اتجاهه، وعلى أبواب انتخابات أميركية سوف تؤخّر معظم المسائل المتعلّقة بالمنطقة بما فيها الملف اللبناني.