قد يقول قائلٌ إن قرار حزب الكتائب بسحب وزيريه من الحكومة لم يؤتَ ثماره، لأن الزمن ليس زمن الكبار، على مستوى السلطة السياسية، ولأن الناس في مكان وهذه الطبقة من المسؤولين في مكان آخر.
ربما في بعض ما يقوله هذا البعض خلاصة لواقع سياسي مأزوم، ونتيجة حتمية لوضع غير طبيعي تعيشه البلاد بفعل هذه الخفّة في التعاطي مع الملفات الكبيرة بمنطق الصفقات ومقولة "مشّي لي حتى مشّيلك"، وهي مقولة باتت سمة فاقعة من سمات مرحلة تحتاج اولاً واخيراً إلى قرارات في حجم الأزمات الكبرى، والتي تتمثل بداية بانتخاب رئيس للجمهورية قبل أي شيء آخر، وهذا ما يجمع عليه الأقربون والأبعدون، مع ما يعنيه استمرار الشغور الرئاسي من اهتراء قاتل على مستوى مصير الجمهورية ذاتها.
ولأن البلاد تحتاج إلى التعاطي بشؤونها بقرارات في حجم ازماتها المستعصية كان قرار حزب الكتائب بالإستقالة من الحكومة، اعتقاداً من المسؤولين فيه، وعلى رأسهم النائب سامي الجميل، بأن هذه الإستقالة قد تحرّك المياه الراكدة في مستنقع ازمات المنطقة، وقد تدفع الأمور في اتجاه تصويب بوصلة الرئاسة المغيّبة، بعدما بات التطبيع مع الشغور أمراً مقبولاً إلى حدود تجرّوء البعض بالقول "أن البلد ماشي مع رئيس ومن دون رئيس". وهذا أخطر ما يرافق هذا الشغور.
إلاّ أن تعاطي الطبقة السياسية مع هذه الإستقالة بوصفها بـ"القنبلة الصوتية" (الرئيس بري)، واعتبار البعض الآخر وكأنها غياب أو مقاطعة لجلسات مجلس الوزراء (الرئيس سلام) أفقدها بعضاً من زخمها، بعدما ُصوّرت على أنها لا تقدّم ولا تؤخّر في شيء. فعمل الحكومة مستمر مع الكتائب أو من دونها، وقد ذهب البعض إلى حدّ القول "بالناقص خبرية".
ويضيف هذا البعض قائلاً: "شو عدا ما بدا ولماذا اختار حزب الكتائب هذا التوقيت بالذات ليقدم على هكذا خطوة"؟ وهو العارف بأن تحريك الملف الرئاسي ليس في يد اللبنانيين، وأن القول بأنه بمجرد نزول النواب إلى جلسة مجلس النواب يتمّ انتخاب رئيس للجمهورية فيه بعض من سذاجة سياسية، لأن مفتاح قصر بعبدا لم يعد ملكاً للبنانيين، الذين أوكلوا أمرهم إلى الخارج، بغضّ النظر عن هويته وأهدافه المباشرة وغير المباشرة.
ويضع هذا البعض خطوة الكتائب في خانة المزايدات الشعبوية داخل الشارع المسيحي، وذلك بعدما أحسّ المسؤولون فيه أن اتفاق معراب بين القوتين المسيحيتين الأكبر قد سحب البساط من تحت اقدام الكتائب، التي اثبتت على رغم ذلك حضوراً مميزاً في الإنتخابات البلدية والإختيارية، وهي ارادت أن تستقطب عطف الشارع المسيحي من خلال ملف النفايات، فكانت خطوة الإستقالة.
وامام هذا المنطق السائد يصّر حزب الكتائب، وفق مصادره، على الذهاب إلى ابعد من الإستقالة، وذلك بلجوئه إلى كشف المستور وتسمية الاشياء باسمائها وكشف الصفقات والسمسرات تحت عنوان جذّاب وهو محاربة الفساد اينما وجد، بدءاَ بملف النفايات وصولاً إلى كل المخالفات التي تتم تحت جنح الظلام.
وبين هذين المنطقين تستمر البلاد مترنحة ومتهالكة حتى الهريان في ظل غياب منطق المؤسسات والمراقبة والمحاسبة.