يدرك المسؤولون الروس المعنيّون بمتابعة ملفّ أزمة الشغور الرئاسيّ في لبنان أنّ الطريق إلى قصر بعبدا كان يمكن أن يكون أسهل بكثير ممّا هو عليه في الوقت الراهن، لو قرّر اللبنانيّون، منذ البداية، التمسّك بشعار سياسة النأي بالنفس عن تداعيات الأزمة السوريّة، عوضًا عن التمسّك بخيار الرمي بالنفس في أتونها، تمامًا مثلما يدركون أيضًا حجم الأخطار المحدقة بالبلد، جرّاء استمرار التباين في وجهات النظر حول تحديد "مواصفات" الرئيس العتيد بين العواصم الدوليّة والإقليميّة التي درجت العادة على أن تكون لها "سلطة وصاية" في هذا المجال، وكذلك حول آليّة إجراء الاستحقاق وموعده، الأمر الذي استوجب تكثيف الجهود الروسيّة الرامية إلى توفير الأجواء اللازمة للمحافظة على الاستقرار وترسيخه أوّلًا، ومن ثمّ لإيجاد تسويةٍ رئاسيّةٍ تضع القطار اللبنانيّ على السكّة التي تؤهّله للوصول بالجمهوريّة إلى ما يليق بمكانتها في هذا "الشرق الأوسط المختلف" الذي يتشكّل للتوّ، ولا سيّما أنّ النظرة الروسيّة تجاه لبنان غالبًا ما كانت تقوم على اعتباره الوطن – الرسالة، وليس الوطن – صندوق البريد.
على هذا الأساس، وانطلاقًا من بروز أهميّة لبنان في الحسابات الاستراتيجيّة الجديدة والمتجدّدة التي وضعتها إدارة الرئيس فلاديمير بوتين، بما يتناسب مع ازدياد فاعليّة الدور الروسيّ على المسرحين الدوليّ والإقليميّ، يتّضح أنّ كافّة التحرّكات الخاصّة بلبنان تتمّ حاليًّا على خطّين متوازييْن: الأوّل سياسيّ وديبلوماسيّ بامتياز، ويتبلور من خلال ارتفاع وتيرة الزيارات المتتالية التي يقوم بها المسؤولون اللبنانيّون، على اختلاف انقساماتهم العاموديّة وانتماءاتهم الحزبيّة وسلوكيّاتهم الكيديّة، للعاصمة موسكو، وكذلك من خلال ديناميّة النشاط المكثّف للسفير ألكسندر زاسبيكين مع مختلف القيادات السياسيّة والروحيّة الفاعلة على الساحة اللبنانيّة، وهو النشاط الذي حظي مؤخّرًا بإشادةٍ وتقديرٍ من وزير الخارجيّة سيرغي لافروف. والثاني عسكريّ وأمنيّ بامتياز، ويرتكز على ما تقدّمه المراجع الروسيّة المختصّة من تشجيعٍ للأداء المتميّز للجيش اللبنانيّ والأجهزة الأمنيّة في مجال ملاحقة الخلايا الإرهابيّة وتفكيكها في الداخل، وكذلك في السهر على ضبط المناطق الحدوديّة مع سوريا، الأمر الذي أهّل لبنان للدخول إلى عالم الأمن الاستباقيّ بكلّ جدارة، وجعل كيان العشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومترًا مربّعًا أكبر من مساحته بكثير فوق خريطة العالم على أجندة العمل الروسيّة في الحرب على الإرهاب، ولدرجةٍ دفعت أناتولي إيسايكن، المدير العامّ للهيئة الروسيّة الفيديراليّة للتصدير الحربيّ التي تضمّ هيئات التصنيع العسكريّ والهيئة التنفيذيّة لتطبيق الاتّفاقات التسليحيّة مع الدول الخارجيّة، وهو رفيق الرئيس بوتين في السلاح، إلى عدم التردّد في الإشادة بقيادة الجيش اللبنانيّ وشخص العماد جان قهوجي وإدارته للمعارك مع المجموعات الإرهابيّة، وذلك خلال زيارته الأخيرة لبيروت التي استغرقت ثمانٍ وأربعين ساعة فقط، والتي لا بدّ وأن تظهر كافّة تجلّيات نتائجها في المستقبل القريب.
وإذا كان ما تقدّم كافيًا للدلالة على أنّ روسيا، لم تدّخر جهدًا إلّا وبذلته لغاية الآن، من أجل تجنيب لبنان خطر الاحتراق بلهيب دول الجوار، بما ينسجم بطبيعة الحال مع رغبة أميركيّة – أوروبيّة واضحة في هذا المجال، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إلى متى يا ترى سيبقى اللبنانيّون غافلين عن قطف ثمار هذا التقاطع الروسيّ – الغربيّ في بساتين حاضرهم ومستقبلهم وهم لا يدركون ما يفعلون؟
سؤالٌ، لا بدّ وأن يعني على إيقاعه أنّ الكرة أصبحت مرميّة الآن في ملعبنا أكثر من أيّ وقت مضى، وما علينا سوى البدء بتسديد الركلات المناسِبة لتسجيل الأهداف الملائمة للبنان الوطن – الرسالة، وليس الوطن – صندوق البريد.
وفي هذا السياق، ولكي لا يبقى معنى الكلام مبهمًا، فإنّ مصادرَ روسيّةً على درايةٍ تامّةٍ بكافّة عناوين الملفّ اللبنانيّ العريضة والفرعيّة، وإن كانت قد عبّرت مؤخّرًا عن خشيتها من أن تؤدّي نتائج الانتخابات البلديّة الأخيرة في بعض المحافظات اللبنانيّة إلى تكريس الواقع التقليديّ الذي يُبقي لبنان ساحةً تتوفّر فيها "ملاقط النار" و"مخالب القطط" لكلّ من يبحث عنها في الخارج الإقليميّ لكي يُنفّذ مشاريعه في الداخل المحليّ، إلّا أنّها ما لبثت أن سارعت إلى التأكيد على أنّ "الستاتيكو الاستراتيجي" الذي فرضته الحرب الروسيّة على الإرهاب في المنطقة، برًّا وبحرًا وجوًّا، لن يترك للإرهابيّين، مهما تنوّعت تسمياتهم المشتقّة أصلًا من أصولٍ داعشيّةٍ، أيّ ممرّ إلى الأراضي اللبنانيّة، ولا سيّما أنّ لبنان الغافل حتّى الآن عن إدراك أهميّة موقعه وقيمته في المعادلة الشرق أوسطيّة الجديدة، يشكّل في الحسابات الروسيّة، وعلاوة على كلّ ما تقدّم، ركنًا أساسيًّا في مثلّث مصادر الطاقة الإسرائيليّ – القبرصيّ – اللبنانيّ.
وربّما هذا ما يفسّر عودة موضوع الثروة النفطيّة والغازيّة البحريّة إلى دائرة الاهتمام مجدّدًا مع الجهود التي برزت أخيرًا من قبل الجهات المعنيّة اللبنانيّة لإعادة تحريكه، بما يضمن الانتقال فعليًّا إلى استفادة لبنان من هذه الثروة الكامنة في أعماق البحر، الأمر الذي كان مدار بحث جدّيّ ومفصّل بين رئيس المجلس النيابيّ نبيه برّي ووزير الطاقة أرتور نظريان، ودفع الرئيس برّي إلى اتّخاذ قرار إثارته على هامش جلسة الحوار الوطنيّ غدًا الثلاثاء مع رئيس الحكومة تمّام سلام، بغية إدراجه على جدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء.
وإذا كانت هذه النقطة بالتحديد هي التي تشكّل بيت القصيد، وخصوصًا في هذا العالم الذي تفوح من حروبه روائح النفط والغاز، فإنّ خلاصة القول هنا، تتمثّل في أنّنا نحن اللبنانيّين، غالبًا ما كنّا نراهن في مجال علاقتنا الخارجيّة على مختلف عواصم العالم، باستثناء العاصمة الروسيّة، من دون أن نجني في نهاية المطاف سوى حصاد تدوير الزوايا الوطنيّة، وتضييق المربّعات الطائفيّة، بما يخدم مصالح الدول التي تبحث فينا عن ملاقط النار ومخالب القطط، سياسيًّا واقتصاديًّا ووطنيًّا وطائفيًّا، تنفيذًا لمخطّطاتها، وعلى حساب مصالحنا وآمالنا وأحلامنا في العيش داخل وطن سيّد وحرّ وقويّ وغنيّ ومتماسك.. فهل حان الوقت يا ترى لكي نخوض مرّة واحدة في التاريخ غمار المراهنة على حليف روسيّ، أثبتت التجارب أنّه لا يتخلّى عن حلفائه في السرّاء والضرّاء، سواءٌ شربوا من بئره وشكروا الله على نعمة ارتوائهم منه، أم شربوا، ثمّ رموا فيه حجر، ويبني علاقاته معهم على قاعدة الاحترام المتبادل، وليس على أساس نزعة الفوقيّة والتملّك، وربّما الاستعباد؟
سؤالٌ، ستبقى الإجابة عليه خاضعة للمدّ والجزر طالما أنّنا لا نزال ننظر بارتيابٍ إلى الكرة المرميّة في ملعبنا، وطالما أنّنا لا نزال ننتظر إشارة خارجيّة للتسديد.. وللتصويت!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)