في المعلومات التي كشفها ونشرها موقع "لبنان 24" أمس، أن مواطنين من منطقة التبانة عثروا على ما اعتقدوا بأنه جثة ملفوفة بقطعة قماش كبيرة ملطخة بالدماء، مرمية في مجرى نهر أبو علي. عناصر قوى الأمن الداخلي عملت فوراً على تطويق المكان، وكشفت على "الجثة"، ليتبيّن بأنها عبارة عن دمية ملفوفة بقطعة قماش وعليها آثار بقع حمراء اللون.
لا معلومات إضافية حول هذا الموضوع "الهيتشكوكي"، وعلى الأرجح لن يتبيّن اي جديد أو مفيد يخبرنا قصة هذه الدمية، وكيف انتهى بها الأمر مرمية في مجرى النهر، لتثير الشبهات والذعر عند من شاهدها.
ما هي هذه الدمية الكبيرة، وهل كانت تحمل، في "حياتها"، الثياب في إحدى الواجهات؟ لماذا لُفت بقماش ملطخ إما بالدماء أو بصبغة حمراء؟ ولماذا رُميت في النهر؟ هل قام أحدهم برميها بغرض التخلص منها، دون أن يتقصد إحداث بلبلة، ام ثمة من قادته سخافته وسوداويته إلى "إخراج" مشهد رعب مقزز في ظلام الليل، وكأن الموت بات تسلية، بل إدمان؟!
كلّ هذه الأسئلة والإحتمالات تدفعنا الى المطالبة بإجراء التحقيقات لمعرفة الحقيقة. ليس الأمر بهذه السخافة، كما يُظنّ. نريد فعلاً "تشريح" هذه الدمية لنتمكن من معرفة ما اذا كان "موتها" حادث قضاء وقدر، ام انه نتيجة إهمال وفساد في أعلى المستويات أديا الى ان يتحوّل بحرنا وبرّنا وجوّنا الى مستوعب كبير للنفايات تضمّ الى جانب بقايا الطعام، "عدّة" متاجر الملبوسات والمستشفيات والمعامل و"ديكوراتها"...أم أن هذه المسكينة استعملت، في تصرف صبيانيّ، لتأدية دور مخيف يثير الهلع والضجيج...وهنا الكارثة!
فهي ليست المرة الاولى التي نكتشف فيها أن ثمة من يتسلّى بالموت في مجتمعنا الذي يؤلمه أكثر من جرح. هناك من نشر في إحدى المرات على مواقع التواصل الاجتماعي خبراً عن وفاته اثناء جولات العنف بين باب التبانة وجبل محسن، ليتبيّن بأنه يمازح رفاقه. ثمة من يرتكب يومياً جرائم نشر صور ضحايا حوادث السير والانتحار والقتل "الرخيص". ثمة من يصرّ على التأقلم السلبي مع ظواهر "رمي" الأجنّة والرضع على قارعة الطريق وفي الحاويات. ثمة من لا يزال يطلق الرصاص ابتهاجاً واستنكاراً، على رغم موت الأطفال والأبرياء. حتى انه في زفاف نائب في البرلمان اللبناني، أطلق الرصاص، يا الله! ثمة من يوّزع البقلاوة في وداع مواطن "عدو". وثمة من ينحر الآباء في وضح النهار على خلفية اشكال يتعلق بأفضلية المرور. وهناك من يطلق العنان لمخيّلته "الكوميدية" بعد أن يضرب الارهاب. وهناك من لا يأبه لموت شعب، ببطء وصمت مريب، بسبب الهواء المسموم والدواء الفاسد والطعام المسرطن. وهناك من بات مدمناً على الفراغ والجمود والعنف بكلّ أشكاله وأدواته.
هناك مجتمع صار مدمناً على الموت. ومشاهد الجماجم وقطع الأعناق. لكنّ الموت الأفظع، هو حين نصبح كالدمى المتحركة، تشدنا الحبال وتحركنا على هواها، ليصفق جمهور من مصاصي الدماء!