وقف العماد ميشال عون يوم السبت الماضي يخطب في العونيين الذين قصدوه في دارته في الرابية، مستخدماً الأسلوب المحبب الى قلبه، وهو إيداع رسائله بريد الإعتراض الشعبي. يعتقد أنّه بواسطة هتافات مؤيديه وأعلامهم البرتقالية، قد يتمكن من تحقيق ما عجز عن كسبه بالسياسة.
أصلاً هو لم يلجأ الى هذا الدواء، الا بعدما أُقفلت منافذ الضغط الأخرى بوجهه. فلم تنفع محاولات التلويح بنسف الحكومة ولم تثمر دعوات الاستقالة بحق وزير الدفاع، ولم تسعفه المسارات الحوارية في تحقيق أي اختراق.
بنظره، هو يقترب سريعاً من لحظة الحسم، سيكون أهون الخيارات فيها صعباً. أو بالأحرى خاسراً. لا شيء يوحي بأن هدفه بفرض قائد جديد للجيش، قد يبصر النور. يحاول تيار "المستقبل" تأجيل حسم مصير قيادة قوى الأمن الداخلي قدر المستطاع، تاركاً المسألة حتى اللحظات الأخيرة كي لا يثير غضب الجنرال، ويقلب الطاولة رأساً على عقب.
وكل ذلك، لا يعني إلا انهيار الجسر الحواري بين "البرتقاليين" و"الزرق" حول التعيينات الأمنية والعسكرية، وتصحر المياه في مجاريها.
ثمة من يعتقد أنّ هذه الجرعة من "الحراك الشعبي"، هي مجرد "نقطة" في البحر الذي بمقدور ميشال عون تحريك موجه. وهو يعرف أنّ اللقاء الأسبوعي مع الناس لن يثير الخوف في نفوس خصومه، لكن هؤلاء يخشون من اعتماد أسلوب التصعيد أكثر، فيقطع مناصروه الطرقات ويشلون شبكة المواصلات ويعطلون ما تبقى من حركة في البلد.
ولهذا، سيسعى الجنرال الى تصعيد تحركه، على أن يكون أكثر ايلاماً، فيؤدي مقتضاه. هكذا طلب من نواب "التيار الوطني الحر" أن يشهد كل يوم سبت محطة للقاء الجمهور، من خلال وفد مناطقي يقصد دارته في الرابية ويستمع الى خطابه.
ولكن ما لا يعرفه كثر، هو أنّ العونيين أنفسهم لا يعتقدون أنّ هذا الأسلوب قد يكون مؤثراً، ولا سيما أنّ التيار تخلى عن أدبيات تحريك الشارع منذ عودة الجنرال والدخول تحديداً، في لعبة السلطة، حيث تنازل عن هذه الورقة بعدما لم يعد بمقدوره استثمارها طالما أنّ له مملثين في الحكومة وفي مجلس النواب.
ليست هذه النقطة وحدها التي تعرقل هذه الخطة، ذلك لأنّ الفوضى التي تعتري "التيار الوطني الحر" منذ فترة طويلة، إن كان بسبب الإشكالات الداخلية أو بسبب تعذر التنظيم، قد تحول دون تحريك "الشارع البرتقالي" بشكل كبير يكون ذي فعالية كما كان الوضع قبل سنوات، حين كان بمقدور العونيين مدّ الشارع ببحر من الناس المؤيدين لهم.. وهذا ما صار صعباً خلال هذه الفترة، ولا سيما بسبب حال القرف التي تجعل من كل اللبنانيين غير مكترثين للصراع السياسي.
إلى جانب هذه الأسباب، ثمة عائق أساسي يقول عنه أحد العونيين أنه انتشار ثقافة المال السياسي وغياب الروح النضالية التطوعية داخل الماكينة البرتقالية. فمنذ دخول أصحاب رؤوس الأموال الى التيار الذين صارت لهم كلمتهم ومكانتهم في التركيبة، بفعل عنصر المال، صار من الصعب الطلب الى الملتزمين والمناضلين القيام بعمل تطوعي مجاني.
وهناك من يعتقد أنّ "التيار" على وشك أن يفقد روحه، التي قام عليها في تسعينات القرن الماضي، ويمكن لتجربة اليوم أن تكون أكبر برهاناً أنّ روما من فوق غير روما من تحت.
("لبنان 24")