حين يتأرجح الألم ما بين الإنتظار والأمل، ما بين زحمة الوعود واليأس، ما بين قلة الحيلة وعاطفة أب منكسر، لا تهدأ النفس من تكرار السؤال: متى يأتي الفرج؟ يوم إثنان ثلاثة.. مرّ عام و10 أشهر و21 يوماً ونور العين لم يأتِ ببدلته العسكرية ليطبع على جبين والديه قبلة الصباح قبل أن يندفع نحو الخطر لحماية البلد. أما الجواب عن السؤال فياتي بارداً متجرداً من موعد الحرية للعسكريين المخطوفين لدى "داعش"، الذين أرادوا فقط خدمة بلدهم فوقعوا في فخ الإرهاب وكمين مجموعة من الخونة.
للمرة الثانية على التوالي، يقضي والد العسكري المخطوف لدى "داعش" محمد يوسف، حسين، عيد الأب الذي يلتقي مع عيد مولده بعيداً عن نجله، وفي حين انهمرت التهنئات تبارك للوالد المحزون صلابته، إلا أنه لم يشعر بشيء من السعادة قائلاً: "كيف لي ان اشعر ببهجةٍ وجزء من حياتي بعيدةٌ عني وروحي تسكن في الجبال متقهقرةً مأسورةٌ.. عيدي هو يوم تتحرر روحي المندمجة بعوده شرفاء هذا البلد الى حضني والى ربوع هذا الوطن".
في عيد الأب.. هذه رسالتي إلى محمد
ما هي الرسالة التي تنقلها إلى نجلك لو كان يسمعك حالياً؟ في حديث خاص مع "لبنان 24"، يقول يوسف بعينين دامعتين: "أتمنى فقط أن يكون بخير، وأقول له أنا لست خائفاً عليك فإذا قُدر لك الرجوع والعمر المديد سنراك مجدداً، لا تيأس وآمِن بربك وببلدك، أنت الآن والد، وبدوري أقول لك كل عام وإنت بخير، وأتمنى عما قريب ان تسمع كلمة يا بابا من طفلك، كما أنا أتمناها الآن منك". ويضيف: اليوم يوم أسود، بكل الوجع والغصة في قلبي أعايد الآباء جميعهم".
ماذا لو رجع بك الزمن الى الوراء، هل كنت لترضى أن يدخل نجلك في سلك الدفاع عن الوطن، أم أن هذه التجربة غيرت رأيك وخذلتك؟ يقول يوسف: "ما زلت بنفس الإيمان كما السابق وموقفي لن يتبدل، دخلنا إلى هذا السلك بقناعة وكرامة الوطن هي الأولوية دائماً وأبداً".
وما هي رسالتك إلى الدولة والمسؤولين؟ رد قائلاً: "لا أعتبر أن هناك دولة بل هي مؤسسة تجارية، الدولة عبارة عن مكونات للتضحية، وهذه المكونات ليست متواجدة في حكومتنا"، سائلاً: "ألم يجدوا أسلوباً أو طريقة ليسترجعوا كرامتهم باسترجاع أبنائهم؟".
عن جديد قضية العسكريين: لا شيء ملموساً!
منذ أيام، لمّح المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء إبراهيم بصبوص إلى إيجابية في متابعة الملف، وبعدها كان لك زيارة إلى السراي الحكومي، ما جعل البعض يتساءل: هل هناك من بصيص أمل جديد؟ يؤكد يوسف "بكل أسف لا شيء ملموساً حتى الآن، والطرف الآخر لا يريد التجاوب، ونحن كأهالي لا نجد أي إيجابية دون ترجمة على أرض الواقع، هذه الخبريات هي "تجبير خاطر" لا أكثر"، مشيراً إلى أننا "نحاول منذ فترة مقابلة أحد المسؤولين عن ملف العسكريين المخطوفين لكنهم يتملصون جميعهم من المواجهة، ونحن بشر لدينا عقول لنفكر وضمير لنشعر، وبالتالي لا يجوز أن يتعاملوا معنا بهذا الإهمال الكبير".
بالرجوع إلى الزمن إلى 2 آب 2014، اقتحم إرهابيون من "داعش" و"النصرة" حاجزاً للجيش في في منطقة وادي الحصن- عرسال ليلاً واختطفوا جنوداً بعد أن دمروا كل والآليات العسكريّة الموجودة بداخله، صفقة حاسمة لم تعرف روايتها الدقيقة بعد، أو بالأحرى تكتمت التحقيقات عن بعض تفاصيلها، نجحت المساعي في إنقاذ المخطوفين لدى "النصرة"، لكن 11 جندياً بقي مأسوراً لدى "داعش"، أُعدم منهم خالد السيد وعباس مدلج، ليستقرّ العدد على 9 أسماء: محمد يوسف، خالد مقبل حسن، محمود عمار، عبدالرحيم دياب، إبراهيم مغيط، سيف ذبيان، حسين الحاج حسن، مصطفى وهبي وعلي زيد المصري. أحاديث عن صفقة من هنا وتبادل موقوفين إسلاميين من هناك، علامات استفهام تطرح و"داعش" ما زالت صامتة، غامضة، منذ أكثر من عام.
أي بشري قادر على تحمل هذا النوع من القهر والظلم بصلابة وعنفوان؟ لعل أهالي العسكريين المخطوفين وحسين يوسف مثال حي على تلك التجربة القاسية بكل تفاصيلها، ولو قدر له أن يصرخ بأعلى صوته لقال الكثير، لكنه حتى الآن يخفي ما بداخله بكثير من الصبر عازياً نفسه بأمل العودة ومرارة أيام ستزول مع أول عناق أو نظرة من إبنه وهو محرر من قبضة الإرهابيين. فأين هم فلذة أكباد الوطن وأغصانها؟