بعد التفجيرات الأخيرة التي استهدفت بلدة القاع الحدودية بالجملة، ظهر السلاح في أيدي الأهالي، وقد تطوعت النسوة لحمله والتباهي به، وقد تكون هذه المشهدية مبررة، خصوصًا إذا أدرجت في خانة ردة الفعل الطبيعية، وهذا ما تفهمته القوى الأمنية وبدت متسامحة مع هذه الظاهرة، بعد الفاجعة التي حلّت بالأهالي.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه، وهو سؤال يندرج في سياق اسئلة كثيرة يمكن طرحها بهدف التوصل إلى استنتاجات وقناعات لا بدّ منها في نهاية المطاف، هو: لوكانت بلدة القاعة محمية من ابنائها وبواسطة أمنهم الذاتي هل كان في استطاعة الإنتحاريين الإرهابيين أن ينفذّوا جريمتهم بهذه السهولة؟
الجواب قد يحمل الـ "النعم" والـ" لا" معًا، مع ما تقتضيه الأجوبة، سواء أكانت تأكيدًا أو نفيًا، من إحاطة شاملة لما يسمى "الأمن الذاتي".
فالذين يجيبون بأنه لو كانت عيون الأهالي سهرانة لما تمكّن هؤلاء الإنتحاريون من الوصول إلى مآربهم، لهم منطقهم المبرر، ولذلك رأيناهم يحملون السلاح وينزلون إلى الساحات لحماية بلدتهم من أي اعتداء محتمل، ولسان حالهم يقول أن المعتدين لو كانوا يعرفون أن القاعيين ساهرون على أمنهم لما تجرأ هؤلاء على ما أقدموا عليه، ولكانوا ضربوا الأخماس بالأسداس قبل التفكير بالقيام بأي اعتداء، خصوصًا أن القوى الأمنية لا تستطيع أن تحمي كل الناس وكل البلدات. وفي ذلك بعض من التبرير لمن يسعى إلى هذا الأمن الذاتي لحماية النفس، ولكنه يبقى تبريرًا موضعيًا، يزول بزوال مبرراته الآنية.
أما الذين يرفضون مبدأ الأمن الذاتي فيبررون هذا الرفض استنادًا إلى التجارب الماضية المريرة، التي لم ينتج عنها سوى المزيد من المشاكل الداخلية والتعقيدات وتفشي ظاهرة السلاح في كل حي زكل شارع، حتى أصبح الوضع خارجًا عن السيطرة، حتى من قبل الذين كانوا يدّعون زعامة الشوارع، وأصبح الوضع شبيهًا بـ"حارة كل مين أيدو الو". وبدلا من أن يستتب الأمن داخل هذه الأحياء كثرت التشبيحات إلى حدود لم يعد في الإمكان ضبط التجاوزات والإستفزازات فبات كل ديك حامل رشاشًا صياحًا على مزبلته.
ولئلا يصبح السلاح غير الشرعي، بحجة أو بأخرى، هوسًا لدى البعض، يرى رافضو الأمن الذاتي أن القوى الأمنية الشرعية، من جيش وقوى أمن داخلي، هي وحدها دون غيرها المسؤولة عن الأمن البلاد والعباد، وهي الوحيدة المخّولة أن تحمل السلاح للدفاع عن كل احياء لبنان، وليس عن حيّ دون آخر، وإن كان لا يزال البعض لا يزال يحمل السلاح لأهداف غير الأهداف التي يحاول البعض التلطي وراءها لتبرير عودة فوضى الأمن الذاتي، على رغم أن سلاح "حزب الله" لا يزال مثار جدل سياسي بين "معسكري" ما تبقى من 14 و8 اذار.
فهل يعود حلم الأمن الذاتي الذي يدغدغ مخيلة البعض، أم أن ما شاهدناه في القاع مؤخرًا من ظهور علني للسلاح يبقى مجرد ردة فعل طبيعية على فعل إجرامي كبير؟