بات مرجحًا ان تنظيم "داعش" يقف خلف تفجير مطار اتاتورك في إسطنبول وسط ذهول تركيا وإرتباك اجهزتها اﻻمنية من سلاسة وصول 3 انغماسين باحزمتهم الناسفة وبنادقهم بسيارة اجرة الى صالة الركم في عمق اكثر المطارات اﻻوروبية ازدحاما، وهي التي فاخرت طويلا بقدراتها الخارقة.
"داعش" تتحول تدريجيًا من منطق القاعدة الجغرافية الثابتة الى خلايا تنشر الرعب في ارجاء العام. لم تعد دولة تحمل مشروعًا استراتيجيًا يشّكل مرجعية سنية في العالم العربي وتكريس زعيمه ابو البكر البغدادي اميرًا للمؤمنين لاجل استعادة امجاد الخلافة اﻻسلامية التي سقطت بين ايدي العثمانيين بيد ابو اﻻتراك "اتاتورك" وشطبها الغرب من الوجود، و ربما اراد اردوغان إعادة التاريخ بطريقة هزلية.
تركيا تدفع ثمن تهور اردوغان في سياسته الخارجية عبر سعيه الحثيث إلى عودة مجد "الخلافة" من بوابة اﻻحلام التوسعية صوب الجنوب. فشعوره بالقوة المفرطة لم يمنعه من اسقاط مقاتلة روسية، كما لم يردعه من تهديد الولايات المتحدة لاجل اقرار المنطقة العازلة في سوريا. فتح المجال امام عبور عشرات الآف المقاتلين اﻻجانب الى اراضي الدولة اﻻسلامية، من ثم دفع بالفيضان البشري المتمثل النازحين لاغراق اوروبا بمشكلة انتجها لاسقاط اﻻسد، ولكن تحوّلت مع الوقت عبئًا على شعبه و إقتصاده.
تلاشت احلام اردوغان تدريجيًا في سوريا ووصلت الى مجرد سراب. القوة الاقتصادية الصاعدة ضربها "داعش" باهداف حيوية إنتقامًا من إستدارة تركيا وتخليها عن نهجها السابق في سوريا. ادمغة تنظيم "داعش" رصدت مؤشرات مقلقة للغاية في لآونة اﻻخيرة توجها اﻻعتذارالتركي من روسيا وإستعادة العلاقات الديبلوماسية والنشاط اﻻقتصادي، وبالتالي تعي هذه اﻻدمغة تمامًا أن شحنات المعلومات الامنية ستنطلق قريبًا بما فيها من اسرار كثيرة وحساسة من مطار أتاتورك تحديدًا صوب موسكو.
كما بات واضحًا ان تظيم "داعش" يوسّع منذ فترة رقعة ضرباته بطريقة إنتقامية كلما زاد الخناق على المناطق التي يسيطر عليها في سوريا والعراق. فقادته يتبعون تكتيك نقل اﻻرهاب الى عقر دار اوروبا وزعزعة امنها، وهو أدخل اﻻردن وتركيا الى ميدان عملياته مؤخرًا.
كانت التقديرات تشير الى مرحلة جديدة عنوانها افول نجم "داعش"، وهي الجيل الثالث من فكر القاعدة مقابل نشؤ بروز بؤر اخرى في صحراء سيناء أو مدينة سرت الليبية ما يعني تحريك بوصلة الجهاد العالمي الى وجهة جديدة.
إمارة افغنستان وفكر المؤسس اسامة بن لادن شكل عمليًا اﻹنطلاقة الفعلية لما يسمى الجهادية التي تزيد من إبتكار اساليب جديدة في اﻻرهاب لا تخطر على بال. فمن جبال افغنستان وباكستان خطط لاعتداءات 11 ايلول الذي غيرت وجه العالم، وكان غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، فأنبثق بعدها "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" على يد ابو مصعب الزرقاوي، الذي بثّ الرعب والخوف بعد إبتكاره عمليات التفجيرات وسط المدنيين وتصويره ذبح رهائنه ونشرها، لكن خليفته ابوبكر البغداي تفوق على ما عداه في فنون القتل والتعذيب واﻻرهاب. وهنا يبرز السؤال عن بقاء اساليب اشدّ فتكًا للبشرية لم يجرِ تجريبها بعد.