في دعوة النائب وليد جنبلاط المتكرّرة في الآونة الأخيرة لانتخاب رئيس للجمهورية، أيّ رئيس يتّفق عليه المسيحيّون على حدّ قوله، دلائل ورسائل متشعبة يرى فيها البعض، على عكس كثيرين من السياسيين، إشارة إلى أنّ انتخاب الرئيس العتيد لم يعد بعيداً، بل أنّ البلاد متّجهة نحو إنجاز هذا الاستحقاق المتعثّر منذ أكثر من سنتين خلال العام الجاري، وأن لا مجال لوصول أي مرشح غير العماد ميشال عون إلى سدّة الرئاسة.
فهل يصل فعلاً "الجنرال" إلى بعبدا في الأشهر المقبلة، وهل من تغيّرات داخلية، في جوّ تعثّر المعطيات الإقليمية في هذا السياق، من الممكن أن تؤدي الى حلحلة في موضوع الرئاسة بعد طول انتظار؟
تتضارب المعلومات والتحاليل في هذا المجال، ولكنّ القاسم المشترك بين جميع الآراء المتداولة، كما تختصرها بعض أوساط "حزب الله"، هو أنّ المرشح الوحيد الجدّي خلال فترة ما قبل الإنتخابات النيابية المقبلة هو عون دون سواه. فإمّا أن يُصار إلى انتخابه في الأشهر المقبلة، واما أن تبقى الرئاسة شاغرة إلى ما بعد الإستحقاق النيابي أوائل صيف العام المقبل.
وتبدي بعض الجهات المتابعة لمواقف جنبلاط تفاؤلاً ملحوظاً حول امكانية التوافق على عون، معوّلة على تحوّل بعض معارضي "الجنرال" الى مؤيدين لانتخابه بضغط غربي في هذا الاتجاه، وتحت عنوان الحرص على استقرار البلاد وسط التهديدات الأمنية، مقابل حصولهم على حجم ودور واسعين في المرحلة المقبلة كنتيجة لتحوّلهم السياسي في اتجاه قاطن الرابية.
وترى هذه الأوساط أنّ كلام جنبلاط تحديداً ناتج عن اقتناع متزايد لدى الزعيم الدرزي بأن الوقت قد حان للعب ورقة "الجنرال"، معتبرة أنّ ثمّة من يحاول إقناع جنبلاط بالاستفادة من الظرف والتفاوض على أصواته في مجلس النواب لصالح عون، مقابل الحصول على حصص ومكاسب اساسيّة في العهد الجديد. وترى هذه الأوساط أن تصويت جنبلاط لعون من شأنه أن يغيّر الواقع الإنتخابي المعلّق، خصوصاً أنّ تيار "المستقبل" لن يقاطع جلسة الإنتخاب تحت أيّ ظرف، إذ سبق للرئيس سعد الحريري أن تعهّد بحضور أي جلسة انتخاب مهما كانت نتائجها، ما يؤمّن ميثاقية الجلسة.
وتقول الأوساط أنّه في هكذا سيناريو، حيث يُنتخب عون من خارج أي اتفاق مع المحور السعودي، تصبح حظوظ الحريري برئاسة الحكومة شبه معدومة، لتتحوّل الأنظار الى وجوه سنّية بارزة أخرى، لها وزنها وتمثيلها ووجودها في الطائفة المعنية، ترضي أبناءها وتقنع الجوّ العام بكفاءتها وقدرتها على تحمّل المسؤولية في هذه الأوقات العصيبة.
قراءة ما بين السطور
إلّا أنّ أوساطاً متابعة للملفّ الرئاسي تنفي هذه التحاليل جملة وتفصيلاً، مشيرة إلى أنّ كلام جنبلاط ليس بالجديد، بل هو لمن يتقن قراءة ما بين السطور، وليس الا محاولة من قبل قاطن كليمنصو للحفاظ على موقف وسطي من الرئاسة، يخوّله في أي لحظة أن يتبنّى أي مرشح يراه مناسباً، من دون حرج أو تردّد، وهو المشهود له تقلباته الشهيرة في السياسة. فمن غير المتوقع أن يقدم الزعيم الدرزي على أي خطوة لا يوافق عليها الحريري، وتكون نتيجتها بالتالي إغضاب الشارع السني، تماما كما أنه لن يتبنّى أي ترشيح للرئاسة يستفزّ "حزب الله" و "يورطه" شيعياً، وذلك حفاظاً على استقرار طائفته ضمن البيئة التي تعيش فيها، وعلى موقعه كزعيم لهذه الطائفة. بالتالي، يمكن لجنبلاط أن يدعو قدر ما يشاء في العلن لتبنّي ترشيح من يوافق عليه المسيحيون، الا أنه فعليّا لن يسير الا بالمرشح الذي يتوافق عليه السنّة والشيعة أولاً في لبنان، ما يجعل ملفّ الرئاسة معلقاً الى حين تبلور اتفاق من هذا النوع، أي الى أمدٍ غير محدّد.
وتؤيّد مصادر في "حزب الله" نظرية أن الملف الرئاسي مؤجل، وترى أنّ احتمال أن يكون للبنان رئيس قبل الانتخابات النيابية المقبلة ضئيل حتى الساعة، ولو أنّها تشير هي أيضاً الى امكانية أن يلعب جنبلاط دوراً في قلب الطاولة لو أراد ذلك حقاً، مستطردة أنّ لا أحد من الصقور التقليديين في السياسة، لا جنبلاط ولا سواه، يحبّذ حقاً وصول "الجنرال" الى بعبدا، لأنّ ممارسته للسلطة قد لا تتطابق مع نظرتهم لـ" تسيير" الأمور، ما يجعل التعامل معه في السياسة أمراً معقداً وخارج المألوف بالنسبة إليهم.
وأما في ما يتعلّق بالسلّة التي لطالما قيل أن "حزب الله متمسّك" بها كممرّ إلزامي للرئاسة، تلفت أوساط الحزب الى أنّ الجميع قد اعترف ولو بطريقة غير مباشرة بوجودها، أو ببعض خطوطها العريضة على الأقلّ، كلّ واحد بحسب حساباته وأولوياته. اذ ما معنى أن يناقش الحريري مع النائب سليمان فرنجية في جلستهما الشهيرة في باريس، والتي أفضت الى اعلان ترشيح رئيس "المردة للرئاسة"، موضوع الحكومة وقانون الانتخابات النيابية كما فعلا آنذاك لو لم تكن مسألة الرئاسة مرتبطة بشكل مباشر بهذه الشؤون وبغيرها ايضاً من المسائل الاساسية المطروحة في الداخل اللبناني، ولو لم يكن الاتفاق عليها ضرورياً في مسار انتقاء الرئيس العتيد؟ وما جدوى طاولة الحوار سوى تسهيل الاتفاق على بعض العناوين الاساسية تمهيداً لانتخاب رئيس للجمهورية على أساسها؟
اذاً، وبحسب هذه المصادر، فانّ السلة موجودة وعناوينها عديدة ومتشعبة والتوافق حولها ضروري، ومن غير المنطقي أن يُلام "حزب الله" على تمسّكه بهذه السلّة لمجرّد طرحه عناوين مختلفة عن تلك التي تهمّ الآخرين.
واذ تشدّد الأوساط على أهمية الاتفاق على قانون جديد للإنتخابات النيابية كاحد أهمّ المواضيع المطروحة، لا تأمل خيراً في ان يتوصل المجتمعون على طاولة ألحوار إلى قانون حديث، بل ترى أن قانون الستين قد يفرض نفسه في الساعات الأخيرة وهو "كارثة" سياسية، لأنّه يؤدي الى ترسيخ الواقع السياسي الحالي ويفرز الوجوه نفسها، وهذا أمر خطير لأنّ البلاد بحاجة الى تغيير جذري ونوعي أكثر من أي وقت مضى.