تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

روسيا تقلب سحر العقوبات الغربيّة على الساحر الأميركيّ؟

جمال دملج

|
Lebanon 24
09-07-2016 | 05:08
A-
A+
روسيا تقلب سحر العقوبات الغربيّة على الساحر الأميركيّ؟
روسيا تقلب سحر العقوبات الغربيّة على الساحر الأميركيّ؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
بينما كانت الولايات المتّحدة الأميركيّة منهمكةً بالتلويح بعصا فرض العقوبات الاقتصاديّة على روسيا، في أعقاب اندلاع الأزمة الأوكرانيّة عام 2014، سارع الرئيس فلاديمير بوتين بدوره إلى الردّ بالتلويح بموقفٍ استباقيٍّ وبراغماتيٍّ في آنٍ معًا، مفاده أنّ جميع تهديدات واشنطن بهذا الخصوص لن تكون مثمرة، وستُلحق ضررًا بالعلاقات بين الدول، وهو موقفٌ لم يأتِ من فراغٍ بكلّ تأكيد، ولا بدّ أن يكون المتابعون للشأن الروسيّ قد أدركوا مدى صوابيّته نهار الأربعاء الماضي، بعدما أظهرت دراسات "مركز البحوث الفرنسيّ في الاقتصاد الدوليّ" أنّ قيمة الخسائر التي تكبّدها الغرب الأميركيّ والأوروبيّ، على حدٍّ سواء، جرّاء تلك العقوبات، بلغت خلال العامين الماضيين نحو ستّين مليارًا ومئتيْ مليون دولار. لا شكّ في أنّ تحرّكات الرئيس بوتين لم تقتصر خلال تلك المرحلة على مجرّد التشكيك بجدوى الخطط الغربيّة التي تستهدف تضييق الخناق على بلاده وحسب، بل تمثّلت أيضًا بالإقدام على اتّخاذ عدّة إجراءات احترازيّة ووقائيّة، مكّنت الإدارة الروسيّة من التعاطي ببراعةٍ مع تداعيات هذا الملفّ، ومن بينها، على سبيل المثال وليس الحصر، ما يمكن أن يُختصَر بالتالي: أوّلًا، الانتقال التدريجيّ والسلس إلى عمليّات التعامل التجاريّ بالعملات الوطنيّة مع الشركاء التجاريّين الرئيسيّين، بما يضمن حماية الطرفين من عقوباتِ أيّ طرفٍ ثالث. ثانيًا، تسريع عمليّة تطوير العلاقات التجاريّة مع دول جنوب شرقيّ آسيا، نظرًا إلى وجود إمكانّاتٍ كبيرةٍ في هذا المجال، ولا سيّما أن حجم التبادل التجاريّ مع اليابان كان يبلغ وقتذاك نحو ثلاثةٍ وثلاثين مليار دولار، ومع دول "آسيان" نحو ثمانية عشر مليار دولار، علاوة على أنّ السلع التجاريّة المتبادَلة مع هذه الدول بالنسبة إلى روسيا لا تتوقّف فقط على الخامات، خلافًا لما هو الحال عليه مع دول الغرب. ثالثًا، العمل على إدارة احتياطيّات روسيا الدوليّة وموارد "صندوق الرفاه الوطنيّ" وفقًا لآليّةٍ تتّسم بمرونةٍ أكثر، وتقوم على نصائحَ قدّمها المستشارون الاقتصاديّون للرئيس بوتين بشأن ضرورة تنفيذ استثماراتٍ سريعةٍ ومرنة، وعدم الاعتماد على الاستثمار في مشاريع البنى التحتيّة فقط، والاستفادة من خبرة الصين التي قامت بإنفاق مبالغَ ماليّةٍ ضخمةٍ على شراء الأصول المتعثّرة في أوروبا وأفريقيا، وما إلى ذلك، إضافة إلى شراء أصول مشاريع البنى التحتيّة ومشاريع النقل وأصول شركات الخامات في تلك الدول. رابعًا، العمل على تطوير الاستثمارات المباشرة على أساس أنّها تُعتبر إحدى أكثر الآليّات موثوقيّة لتحقيق التكامل المتبادل، ولا سيّما أنّ روسيا هي واحدة من الدول الرائدة في العالم في هذا المجال. خامسًا، خلق تحالفاتٍ أكثر استراتيجيّةً بين الشركات الروسيّة والأجنبيّة، على شاكلة التحالف القائم بين "روس نفط" و"إكسون موبيل". سادسًا، توسيع مجال وصول الشركات الأجنبيّة إلى مشاريع البنى التحتيّة الاستراتيجيّة على خلفيّة الدعوة التي كان الرئيس بوتين قد وجّهها في وقت سابق إلى رجال الأعمال في بلدان آسيا والمحيط الهادئ من أجل المشاركة في مثل هذه المشاريع، كالاستثمار في تطوير العمل على فتح طريق الشمال في المنطقة القطبيّة. وبالتزامن مع اتّخاذ تلك الإجراءات التي ساهمت في تحصين الاقتصاد الروسيّ إلى درجةٍ كبيرة، كان لافتًا ما قام به بعض أصحاب رؤوس الأموال الروس من خطواتٍ تتّسم بالتحدّي والحرص على إظهار عنفوانهم القوميّ، على غرار ما فعله مثلًا رجل الأعمال والملياردير الروسيّ الشهير عليشير عثمانوف، عندما قرّر بيع الحصص التي يملكها في أسهم شركتيْ "أبل" و"فيسبوك" الأميركيّتين، وتحويل عائداتها الماليّة إلى الشرق، بغية استثمارها في أسهم في شركات التكنولوجيا الصينيّة، مثل شركة "علي بابا" للتجارة الالكترونيّة وغيرها من الشركات الكبرى ذات الإمكانيّات الضخمة. اللافت أيضًا على هامش موضوع العقوبات الأميركيّة – الأوروبيّة على روسيا هو أنّ عددًا من المسؤولين في دول الاتّحاد الأوروبيّ كانوا قد استبقوا بالفعل موعد فرضها بالتحذير من مردوداتها السلبيّة وعدم جدواها وفاعليّتها، ولكن من دون أن تضع الولايات المتحدة مسألة العواقب الوخيمة التي قد تنجم عنها بالحسبان. وفي هذا السياق، لا بدّ من التذكير بأنّ وزير الخارجيّة الإسبانيّ مانويل غارسيا مرغاليو كان سبّاقًا عندما أعلن أنّ المضيّ قدمًا في تنفيذ تهديدات واشنطن "سيكون خطوة لا مبرّر لها، لأنّه يصعب تصوّر ماذا يمكن أن يحدث لأوكرانيا في حال قيام روسيا بالتوقّف عن التعاون التجاريّ والاقتصاديّ معها، أو برفع سعر الغاز"، مشيرًا إلى مخاطر ذلك على الاقتصاد الأوروبيّ، نظرًا إلى "أهميّة إمدادات الغاز الروسيّ بالنسبة إلى الأسواق الأوروبيّة". على هذا الأساس، وإذا كانت العبر من الحكايات تكمن في خواتيمها، فإنّ ما يبدو واضحًا في الوقت الراهن هو أنّ سحر العقوبات الغربيّة على روسيا انقلب في المحصّلة النهائيّة على الساحر الأميركيّ، ولدرجةِ أنّ المردودات الإيجابيّة الناجمة عن ذلك، بالنسبة إلى الجانب الروسيّ، لم تقتصر على المستوى الاقتصاديّ وحسب، بل وصلت أيضًا إلى حدّ تعزيز مكانة روسيا كلاعبٍ أساسيٍّ على الساحة الدوليّة، الأمر الذي تجلّى بوضوحٍ نهار أمس الجمعة، عندما شدّد الرئيس الفرنسيّ فرنسوا هولاند، لدى وصوله للمشاركة في القمّة الحاليّة لحلف شماليّ الأطلسيّ، على أنّ روسيا ليست "خصمًا ولا تهديدًا"، ليعطي بذلك قوّةَ دفعٍ إضافيّةً لما ذكرته المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل في اليوم السابق، عندما أكّدت على أنّ "توفير الأمن لأوروبا من دون مشاركة روسيا هو أمرٌ مستحيل".. وممّا لا شكّ فيه أنّ المرء لم يعد بحاجةٍ إلى التمتّع بالكثير من سمات النباهة لكي يدرك حقيقة ذلك، ليس على الساحة الأوروبيّة وحدها، وإنّما في أماكنَ أخرى مختلفةٍ في العالم! (جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك