يقول كُثر من المطلعين أن معركة حلب، بغض النظر عن شكلها، لم تبدأ بعد، حتى أن القوات المخصصة لخوض تلك المعركة لم تصل كُلها إلى مواقعها بعد، في وقت تستمر إندفاعة القوات السورية – اللبنانية على جبهة الكاستيلو بالوتيرة ذاتها، لن يُعرقلها ضغط سياسي كما حصل في الإندفاعة الأولى عند بدء التدخل الروسي، إذ أن قطع طريق الكاستيلو ميدانياً كاد يصبح واقعاً بعدما أصبحت القوات البرية على بعد 300 متر منه.
ويشرح أحد القادة الميدانيين لـ"لبنان 24" أن جبهات حلب ستُفتح دفعةً واحدة منعاً لأي هجوم مضاد في إتجاه الكاستيلو، من جمعية الزهراء ومعامل الليرمون وحيّ بني زيد، إضافة إلى معركة إستعادة كنسبا التي أطلقها الجيش السوري في ريف اللاذقية التي تُشغل قسماً من مقاتلي في إدلب.
ويضيف: الهدف ليس الإشغال فقط، بل التقدم والسيطرة على كتل من الأبنية تتيح للقوات المتقدمة السيطرة على هذه الأحياء بعد توسيع نطاق الأمان حول الكاستيلو ومزارع الملاح.
ويوحي سير المعارك في حلب، في حال فشل أي هجوم مضاد لإسترداد مزارع الملاح، بسقوط كل قرى الريف الشمالي للمدينة، الواقعة جنوب مدينتي نُبل والزهراء مثل حريتان وعندان وحيان، إذ ستصبح عبئاً على المسلحين ومن دون أي فائدة إستراتيجية.
ويشّبه القيادي الميداني المرحلة العسكرية التي ستلي حصار حلب، بما حصل بعد حصار حمص، وليس بعد حصار الغوطة، أي أن القدم السريع للأحياء سيبدأ من دون توقف حتى إستعادة كامل المدينة، ولن تكتفي القوات المتقدمة بالحصار والإنتظار.
خياران يحكمان عمل الجيش السوري و"حزب الله" بعد التثبيت على الكاستيلو: الخيار الأول، يقوم على إستكمال معارك الملاح في إتجاهات مختلفة وهو المرجح، في حين يقوم الخيار الثاني على فتح معركة الريف الجنوبي وإستعادة المواقع التي خسرها في فترة الهدنة.
ميدانياً وجد الجيش السوري نفسه مضطراً لقطع طريق الكاستيلو بعد تقدم "جيش الفتح" في الريف الجنوبي لحلب، فكانت العملية التي قادها في غالبية المحاور العقيد سهيل الحسن، في حين إستلم "حزب الله" جبهات أخرى.
في السياسة
في السياسة، ليس عابراً أن يكون إعلان الهدنة هذه المرّة سورياً. هدنة العيد التي لم تصمد إلا ساعات كان إعلانها مؤشراً على عودة مياه التنسيق إلى مجاريها بين الحلفاء، إذ إن موسكو لم تَظهَر كمن يفرض هدنة على حلفائها، ولم تمنعهم من الردّ الحاسم عند إختراقها بل كانت مشاركة فيه.
قبل أشهر قليلة جداً، كان سقوط حلب ومحاصرتها ممنوعان، إذ إن هكذا حدث حاسم كان سيستدعي تدخلاً تركياً مباشراً، وتالياً حرباً شاملة وهذا ما لم يأت الروسي لأجله ولا يريده فتوقفت الإندفاعة بعد فكّ الحصار على نبّل والزهراء، فما الذي تغيّر؟
سلّفت موسكو واشنطن هدنة كاملة من دون أي خرق لعدّة أسابيع وإن على حساب حلفائه في دمشق، لكن الأخيرة لم تستطع تقديم أي شيء عملي لفصل الفصائل الإرهابية عن غير الإرهابية في حلب، كذلك لم تستطع أثناء الهدنة منع "جيش الفتح" من كسر أحد الخطوط الحمر الإيرانية في بلدة خان طومان، كل ذلك سهّل التنصل الروسي من إلتزاماته الدولية مستغلاً عدم إمكانية الإدارة الأميركية وضع أي فيتو ميداني في الوقت الضائع قبل الإنتخابات الرئاسية الأميركية.
في الجانب الآخر لا يمكن القول أن التطبيع التركي – الروسي شمل الإتفاق على وضعية حلب، بل على العكس، فأنقرة لا تزال تعمل في سوريا كما في السابق لكن تطبيعها مع موسكو فرض شيئاً من الإنكفاءة السياسية أنهت أي تلويح بتدخل برّي في حال أُسقط الخط الأحمر في حلب، الأمر الكفيل بتطمين موسكو ويجعلها تدير الأذن الطرشاء للضغوط الدولية.
معركة حلب لم تبدأ بعد، وقد لا تبدأ بصورة تقليدية فجّة، لكن الأكيد ما بعد حصار حلب لن يكون كما قبله، إذ إن فريق دمشق يعتبر أن النصر في حلب سيعني النصر شبه الكامل في سوريا، في حين أن خسارة تركيا لحلب سيعني خسارتها لأهم أوراقها السورية.
إذا كُتب للقوات المتقدمة الحسم في حلب، فسيسجل التاريخ أن دمشق وحلفاءها إستغلوا لحظة سياسية لقلب موازين معركة قيل عنها دائماً أنها لن يكون فيها رابح وخاسر.