بين قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط معادلة سياسية مشتركة في المرحلة الحالية، تحت عنوان انتخاب رئيس جديد للجمهورية في أسرع وقت ممكن حماية لاتفاق الطائف، وتجنّبا لما بات يُعرف بالمؤتمر التأسيسي التي تسعى اليه بعض الجهات السياسية.
هذا ما تقوله مصادر متابعة للاجتماعات التي جرت مؤخراً بمبادرة من الأقطاب الساعية الى ايجاد مخرج للعقدة السياسية، والتي جمعت بين جعجع ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، ولاحقا بين جعجع وجنبلاط، مرورا بلقاء بين جنبلاط والأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله قيل أنه قد تمّ ولكنّه بقي قيد الكتمان، الى غيرها من الاتصالات المكثفة سواء جرت في العلن أو وراء الكواليس.
وتقول المصادر إن الهواجس نفسها تنتاب الرئيس القواتي والزعيم الدرزي، فهما يعتبران أنّ عدم حصول انتخابات رئاسية في القريب العاجل سوف يؤدي الى تأجيل الموضوع الى أوائل الخريف، وفي ذلك تعليق محتّم للمسألة الرئاسية الى ما بعد الانتخابات النيابية، اذ انّ البلاد تكون قد دخلت مع حلول تشرين الأول مرحلة التحضيرات لهذه الانتخابات، ولا بدّ اذا من أن تنصرف الأنظار عندها الى أمور شتى متعلقة بهذه التحضيرات، من قانون انتخاب جديد الى التأسيس لتحالفات المعارك الانتخابية، الى الاستعدادات الميدانية واللوجستية لها، فيفقد موضوع الرئاسة الأولى مكانته المتقدمة على سلّم الأولويات ولا يستعيدها الا بعد قيام مجلس جديد في صيف العام المقبل.
والمقلق أنّه حتى بعد انتخاب المجلس الجديد، تكون عقدة الرئاسة قد راوحت مكانها ولا جديد يساعد على فكّها أو حلحلتها، والحكومة تصبح حكما بوضع تصريف أعمال، لا سلطة فعلية لها ولا شرعية حقيقية، ما يجعل السلطة التنفيذية معدومة في غياب أو استغياب مكوّنيها، رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، فتغدو السلطة التشريعية هي المؤسسة الوحيدة الفاعلة، المناطة بإرادة الناس الذين صوّتوا لنوابها، بغضّ النظر عن القانون الذي جرى اعتماده، والممثلة لكافة مكونات الشعب اللبناني ما يعطيها الأرضية والشرعية الكافية للمطالبة بمؤتمر تأسيسي ولاجرائه بدعوة من رئيسها الشيعي، علما أن المؤتمر التأسيسي هو مطلب شيعيّ بالأساس. عندها، يصبح هذا المؤتمر واقعا لا يمكن تجنّبه خصوصا إن لم يكن هنالك من موانع دولية لإجرائه انطلاقا من اقتناع غربي أنّ المجلس النيابي الجديد يمثل الإرادة الشعبية وبالتالي يجب الامتثال لأي قرار ينبثق عنه على هذا الأساس.
ويعتبر جنبلاط وجعجع وغيرهما من أهل الحكم أنّ المؤتمر التأسيسي يشكّل خطراً على السلم الأهلي ويهدّد بحرب أهلية جديدة كونه يمسّ بجوهر الطائف ويدعو الى تعديلات لمصلحة طائفة معينة لا يمكن للطوائف الأخرى تقبّلها، فالتغييرات التي سوف تطرح من قبل "حزب الله" والطائفة الشيعية لن تكون إجرائية فحسب، كالتي سبق ودعا اليها الرئيس ميشال سليمان حول صلاحيات الرئاسة الأولى، بل جوهرية ومحورية، من شأنها أن تفضي في آخر المطاف الى معادلة جديدة في النظام السياسي على أسس مستحدثة كمبدأ المثالثة على سبيل المثال، والتي لا يمكن للطائفة السنية على وجه الأخصّ التسليم بها بعد المجهود التي بذلته للوصول الى الطائف وبعد سنين من استثمارها في هذا الميثاق.
وأمام المؤتمر التأسيسي حتى الساعة عراقيل ثلاثة تحول دون قيامه:
أولا، عائق الحريري ومحوره الداخلي والإقليمي الذي يرفض أي خطوة من شأنها المساس باتفاق الطائف.
ثانيا، وثيقة إعلان النيات بين القوات والعونيين، والتي كرّست للمرة الأولى اعترافاً واضحاً من قبل عون بالطائف.
ثالثا، التخوف الجدّي من حرب أهلية نتيجة الخلل بالتوازنات الداخلية التي قد يفضي اليها هكذا مؤتمر، فالجميع قد يصبحون بحالة استنفار كمن على رؤوسهم الطير كما تقول المصادر، ما قد يسهّل الاهتزاز الداخلي، وهذا ما لا تضمره أي جهة سياسية للبلاد، حتى الجهات الساعية الى المؤتمر.
ومن منطلق التخوف من المؤتمر التأسيسي، يكثّف بعض الأقطاب جهودهم لتفادي الوصول الى هذا الاستحقاق، بمحاولة تسريع انتخاب الجنرال ميشال عون، اذ لا مجال لانتخاب سواه في هذه المرحلة.
ولا يزال انتخاب عون يواجه عقدتين أساسيتين، هما تردّد حزب الله في انتخاب أي رئيس للجمهورية في الوقت الحاضر من جهة، وعدم رغبة تيار المستقبل بانتخاب عون من جهة أخرى. ويبدو احتمال ازالة احدى العقبتين صعبا الى أقصى الحدود حتى الآن، رغم الجهود المستمرة في هذا الاتجاه.
وفي محاولة فكّ العقدة الثانية، أي الصعوبة المتعلقة بموقف الحريري، والتي تبدو معالجتها أسهل من عقدة حزب الله، اقترح المشاركون في الاجتماع الأخير الذي جمع رئيس "القوات" برئيس "التيار الأزرق" أن يتفق هذا الأخير مع عون على ضمانات يقدمها الجنرال للحريري تزيل مخاوف بيت الوسط من المرحلة المقبلة اذا انتخب عون رئيساً، الا أن الحريري بقي متردّدا حول هذا الشأن لاعتباره أنّ تجاربه السابقة مع عون غير مشجّعة، ولأنّه يعتقد أنّ عون قد ينقلب على كل مواقفه في أي لحظة.
وأما جنبلاط، ورغم معارضته المبدئية لعون رئيساً للجمهورية، فهو أيضاً من أبرز الساعين الى انتخاب الجنرال بعد فشل مبادرة باريس لانتخاب النائب سليمان فرنجية لأنه، كما جعجع، يعتبر أن خطر المؤتمر التأسيسي يحدّق بالجميع. وهذا الموضوع كان في صلب محادثاته الأخيرة مع جعجع، وقد تمنى خلالها جنبلاط على قاطن معراب التواصل مع الرئيس نبيه برّي كون هذا الأخير لطالما لعب دورا مهما في اخراج المعادلات الداخلية الموزونة وفي تفادي أو معالجة الأزمات الكبيرة، واعدا بأن يساهم هو في فتح أبواب التنسيق بين عين التينة ومعراب، خصوصا أن الوقت أصبح ضيقا وهو يدهم الجميع.