في 22 أيلول 2006، وخلال خطابه في مهرجان الإنتصار قال الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله أن "بضعة ألآف من المقاتلين اللبنانيين" خاضوا حرب تموز وإنتصروا فيها، للتتوالى خطابات وتهديدات نصر الله خلال السنوات الماضية التي تلت حرب تموز موحيةً بجزء مما يمتلكه "حزب الله" من إمكانات عسكرية، فما هي هذه الإمكانات؟
في ما يلي سنحاول تحليل خطابات وتهديدات نصر الله وإستنتاج بعض من إمكانات الحزب العسكرية منها.
عديد "حزب الله"
بعد سنتين من خطاب النصر، وبعد إغتيال القائد العسكري في "حزب الله" عماد مغنية، خرج نصر الله على الجماهير المحتشدة ليقول: "لقد ترك لكم عماد مغنية خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين.." مما يظهر التطوّر الكمّي في قدرات الحزب البشرية. وفي ذكرى الشهداء القادة عام 2011، هدد نصرالله للمرّة الأولى بدخول مقاتلي "حزب الله" والسيطرة على الجليل قائلاً: "كونوا مستعدين، إذا طلبت منكم المقاومة.. للسيطرة على الجليل"، فماذا يتطلب مثل هذا الإنجاز العسكري من إمكانات؟
يرى جمال شعيب الإعلامي المتخصص في الشؤون الميدانية والعسكرية أنه بالنسبة الى "حزب الله" بات من الواضح أن القرارات العسكرية الاستراتيجية ليست مرتبطة على الإطلاق بالمسائل العددية، بقدر ما هي مرتبطة بالتكتيكات والخطط العالية الدقة وقدرات وكفاءة قواته وحركة النيران التي ترافقها على مستويات مختلفة، والحزب الذي يمتلك عدداً كبيراً من وحدات النخبة إستطاع (ويمكنه) السيطرة على أهم المواقع والسلاسل الجبلية في القلمون السوري وريف اللاذقية مثلما استطاعت تحقيق انجازات على مستوى الميدان في الأراضي السهلية أو الحرجية أو حرب المدن والكتل الاسمنتية.
الإيحاءات بحجم القاعدة البشرية المقاتلة في الحزب إستمرّ حتى 20 أيار 2016، عندما قال نصر الله في الخطاب التأبيني للقيادي مصطفى بدر الدين، أن الحزب لديه "جيل كامل من القياديين الكبار"، فكيف يمكن تفسير وجود جيل كامل من القادة وهل له دلالات على حجم القدرة البشرية القتالية؟
يلفت شعيب إلى أن الحديث عن أعداد القادة العسكريين في "حزب الله" كالحديث عن أعداد المقاومين، يحتمل ولا يحتمل الاجتهاد. لا يحتمل الإجتهاد أولاً لكون الحزب يعتمد السرية المطلقة في ما يخص تشكيلاته العسكرية وتجهيزاتها وأعدادها وقدراتها، ولكن يمكن من خلال ما أعلن عنه السيد نصرالله في مناسبات عدة استشراف واقع تطور عديد "حزب الله" وبشكل مضطرد خلال الأعوام الأخيرة، خاصة عندما أعلن في خطابه ما قبل الأخير وفي ذكرى الشهيد السيد بدر الدين عن أن المقاومة وقبل تنفيذ الرد على اغتيال شهداء القنيطرة قامت بسحب الآلاف من عناصرها من معسكراتهم، وإذا سلمنا منطقياً بوجود آلاف أيضاً على جبهات الجنوب بمواجهة الإحتلال الإسرائيلي، ووجود آلاف آخرين على الأراضي السورية، بالإضافة الى "العديد الاحتياطي" والمخصص للداخل اللبناني وحماية شخصيات ومنشآت ومناطق معينة تعتبر شديدة الحساسية بالنسبة إلى المقاومة، فهنا يمكن الاستنتاج مع الحذر في التخمين بوجود عشرات الآلاف، إضافة الى عشرات الآلاف الذين تحدث عنهم السيد نصرالله في تأبين الشهيد عماد مغنية. ووجود هذا "العدد" يفترض بتنظيم عسكري متين وصاحب باع طويل في تخريج القادة وتدريب "المهارات" والاستفادة من "الكفاءات" أن يكون قد أنجز هيكلية قيادية مناسبة لهم وقادرة على استلام زمام القيادة الميدانية في اللحظة المناسبة.
العين بالعين
في 16 شباط عام 2010 وضع نصر الله معادلة جديدة تقوم على أن الحزب سيرد على تدمير بناء في الضاحية بتدمير أبنية في تل أبيب، والرد على قصف مطار بيروت بقصف مطار بن غوريون في تل أبيب.. ليجدد هذا التهديد في 11-5-2012. وأضاف أن صواريخ الحزب تطال أهدافاً دقيقة في تل أبيب وكل الأراضي المحتلة.
يشير شعيب إلى أنه وربطاً بعدة عوامل، من بينها القدرات الصاروخية التي إستخدمها الحزب في سوريا، يمكن الاستنتاج بأنه بات يملك ليس فقط تقنية صناعة الصواريخ بل أيضاً تقنيات وخبرات ومعامل تطويرها وزيادة مداها ورأسها التفجيري.
ويضيف: "وبحسب التقديرات الغربية والعبرية، هناك تأكيدات على امتلاك "حزب الله" حوالي 130 ألف صاروخ من أنواع مختلفة: "غراد" حتى 40 كيلومتر، "فجر" لمدى 75 كيلومتراً، صواريخ "زلزال" من انتاج ايران حتى 200 كيلومتر، صواريخ "فاتح 110 " لمدى 250 كيلومتر وهي صواريخ تتميز بتجهيزها بنظام استهداف الأهداف النقطية دون حصول أي انحراف في المسار وفي جميع الظروف الجوية، وصواريخ "سكود" سورية من نوع "دي" التي تغطي 700 كيلومتر"، وهي صواريخ "قادرة على على اصابة اي نقطة على كامل مساحة فلسطين المحتلة".
وجدير بالذكر، وفق شعيب، أن صحيفة "هآرتس" لفتت الى أن "مدى الصواريخ في العام 2006 بلغ أكثر من 100 كيلومتر حتى حيفا، أما في العام 2016 فيتوقع أن يصل الى أكثر من 400 كيلومتر حتى إيلات"، وهذا ما كان قد أشار اليه السيد نصرالله سابقاً عندما أعلن عام ٢٠١٢ "أن شعاع المعركة يمتد على طول فلسطين المحتلة من كريات شمونة إلى إيلات".
لكن ماذا يمكن إستنتاج من كلام نصر الله عن تدمير أبنية في تل أبيب؟
ما قاله السيد نصرالله يعني أمرين، أولاً كمية الصواريخ قد تضاعفت بشكل كبير ومطرد، وثانياً: قدراتها التدميرية تضاعفت أيضاً، وحديثه خلال مقابلته مع الميادين عن امتلاك الحزب لصواريخ فاتح ١١٠ كان بمثابة الإعلان عن أن القدرات التدميرية متوفرة منذ ٢٠٠٦ ولكن قرار استخدامها متروك للحظة المناسبة.
صواريخ" ياخونت"
وفي خطابه بمناسبة التحرير عام 2010 أعلن نصر الله أن الحزب قادر على ضرب وإصابة كل السفن التي تدخل إلى فلسطين المحتلة من البحر المتوسط، مما يعني قدرته على محاصرة إسرائيل بحراً في أي حرب مقبلة.
يلفت شعيب إلى أنه واضافة إلى صاروخ من طراز سي 802 المضاد للسفن الذي إستخدمه الحزب خلال حرب تموز لاستهداف "ساعر"، كانت مصادر عسكرية إسرائيلية أكدت أن "حزب الله" بات يمتلك صواريخ متطورة من طراز "ياخونت". وقد أبدت هذه المصادر خشيتها من أن الصاروخ الروسي المتطور جداً قد وصل بالفعل من سوريا إلى لبنان، لكنها عاجزة حتى الآن عن تحديد عدد الصواريخ وما إذا كانت محدودة أو بالعشرات. والمعروف أن هذا الطراز يتمبز بدقته وقدرته على التملّص من الرادارات، وهو يشكل تهديداً استراتيجياً هائلاً على قطع البحرية الإسرائيلية، وعلى المنشآت الاقتصادية الإسرائيلية على الساحل.
وهذا الأمر بحد ذاته كاف لفرض حصار بحري على الكيان العبري إذا لم يكن لدى الحزب أيضاً وسائل وقدرات أخرى أكثر تطوراً.
في خطابه في يوم القدس أكد نصر الله أن "حزب الله" هو الجهة الوحيدة التي تمتلك هذا الكمّ الهائل من المعلومات عن مختلف المجالات في إسرائيل، فماذا يعني هذا؟
يعتبر شعيب أن مختلف المواجهات الاستخباراتية بين "حزب الله" وإسرائيل أكدت إمتلاك الحزب قدرات عالية في الاختراق والتجسس، فمن التنصت على الاتصالات وخاصة الخلوية منها، إلى اختراق الشبكات والأجهزة ورصد أجهزة التجسس التي زرعها الاحتلال وعملائه في مناطق مختلفة من لبنان، وتجنيد العملاء المزدوجين القادرين على "الايقاع" بضباط وعناصر استخبارات العدو مثل عملية "الحنان تننباوم" وغيرها، تؤكد امتلاك الحزب معلومات كافية وهائلة عن طبيعة وهيكلية وافراد التشكيلات العسكرية والأمنية كما المؤسساتية في إسرائيل بما يسمح له بإختراقها أو رصدها أو التجسس عليها.