تقول مصادر متابعة لطاولة الحوار وللبنود التي تناقش عليها أنّ تحركات مكثفة تجري بين الأطراف كافة للتوصل الى اتفاق حول قانون الانتخابات النيابية قبيل الموعد الذي حدّده رئيس مجلس النواب نبيه برّي أوائل الشهر المقبل للبحث في الموضوع بغية بتّه في أسرع وقت ممكن. وتتركّز المساعي حاليا حول ايجاد صيغة وسطية بين مشروع قانون الانتخابات الذي تقدّم به بري الى اللجان النيابية والصيغة التي اقترحها كلّ من حزب "القوات اللبنانية" وتيار "المستقبل" والحزب التقدمي الإشتراكي، والمشروعان يعتمدان مبدأ المزج بين النسبية والأكثرية. الا أنّ العقدة الاساسية التي لم تحلّ حتى الساعة تتمحور حول كيفية توزيع المقاعد بين الصيغتين.
ويبدو أن "التيار الوطني الحرّ" الداعي أساسا الى اتباع النسبية كمبدأ عام في الانتخابات المقبلة لم يوافق بعد على المنحى الذي اتخذته المناقشات، كما أن "حزب الله" لم يبدِ الى الآن رأيا حاسما في الموضوع. وفي حال لم يتمّ التوافق حول قانون مختلط، يكون الاحتمال الأكبر في العودة الى قانون الستين.
هذا في حال لم يؤجّل الاستحقاق النيابي هو الآخر، على حدّ قول المصادر، اذ من الصعب الذهاب الى مثل هذه الانتخابات من دون الأخذ في الاعتبار أن قيام مجلس جديد سوف يحتّم انتخاب رئيس لهذا المجلس، وأنّه من غير المنطقي أن يقبل النواب اجمالا، والمسيحيون من بينهم خصوصا، انتخاب الرئيس الشيعي للمجلس والإبقاء على الفراغ " المسيحي" في سدّة الرئاسة الأولى، فإمّا التسليم بمبدأ الانتخاب ككلّ أو لا انتخاب لأحد، كما تقول المصادر.
وكان برّي قد لفت الى هذه النقطة تحديدا اثناء البحث بالاستحقاقين الرئاسي والنيابي على طاولة الحوار، قائلا أن المجلس الجديد سوف يلتئم فور قيامه، لانتخاب رئيس المجلس أولا، ومن ثم هيئة مجلس النواب، وبعدها مباشرة رئيساً للجمهورية، وكل ذلك في نهار واحد. الا أنّ رئيس التيار العوني جبران باسيل أكّد في لحظتها أنّ انتخاب رئيس الجمهورية يجب أن يأخذ في الاعتبار إرادة الأكثرية المسيحية، ما يعيد الجدل حول انتخاب رئيس الجمهورية الى نقطة السفر، ويحتّم ضرورة التوافق على شخص الرئيس بين كافة القوى السياسية ومن خارج المؤسسات قبل طرح هذا الموضوع للتصويت في مجلس النواب.
وأمّا اذا تعثر انتخاب رئيس المجلس على أساس أن لا معادلة تضمن انتخاب رئيس للجمهورية في الوقت عينه، فتصبح المؤسسات معطلة بصورة مطلقة، من رئيس مفقود الى حكومة مستقيلة الى مجلس لا يمكنه أن يلتئم في غياب رئيسه، وفي ذلك سيناريو مريب لا مصلحة لأحد في الوصول اليه.
وأما عقدة رئيس الجمهورية فلا تزال مقفلة على رغم المساعي المضاعفة للاتفاق على حلّ يصل بموجبه الجنرال ميشال عون الى قصر بعبدا. وينقل مقرّبون من النائب وليد جنبلاط المجتهد على خط المساعي الرئاسية قوله في مجالس خاصة أنّ "حزب الله" لا يريد رئيساً جديدا، لا عون ولا النائب سليمان فرنجية ولا سواهما، لأنّه يفضّل تفادي مرحلة تشكيل حكومة جديدة قد تحمل في طياتها جدلا محتملا حول مشاركته فيها، لأنّه يخشى ما يخشاه من أن ترفض الولايات المتحدة الاعتراف بحكومة لبنانية يكون أحد أبرز مكوّناتها فريق تصنّفه هي "بالإرهاب" فتمتنع بالتالي من التعامل معها، وفي ذلك مشكلة كبيرة يرى "حزب الله" أنه من الأفضل تأجيلها الى مرحلة لاحقة لعلّ الأمور تتبدّد ليس فقط في لبنان، بل في المنطقة.
وبناء على كلّ هذه التعقيدات وغيرها في الداخل اللبناني، يرى البعض أن الاستحقاقات في لبنان مؤجلة "بالجملة" لأنها مترابطة بعضها ببعض، ريثما تتبلور الحلول في المنطقة، وخصوصا في سوريا. ويضيف هؤلاء أن ما يزيد الأمور تعقيدا هو أنّ الجو السعودي، وعلى عكس ما يشاع أحيانا، ً، غير قابل لتقديم التنازلات في لبنان، لأنّ الجيل السعودي الحاكم اليوم لا يشعر بأنه معني بالتطورات اللبنانية كما كان يفعل الجيل السعودي القديم، ولا يتعاطف مع لبنان بالطريقة نفسها، ولا يشعر بالارتباط القوي الذي كان يشدّ الملوك السابقين أمثال الملك فهد وعبدالله بن عبد العزيز الى هذه البلاد، الذين كانت عيالهم تزور لبنان بانتظام وتصطاف فيه، بينما الجيل الجديد بات يقصد بلاد أوروبا والغرب ولا يستهويه لبنان ولا يشعر بالحنين تجاهه. فلا روابط عاطفية ولا مصالح سياسية تدفع بالمملكة السعودية الى تسهيل الحلول في لبنان في وجه تعنّت "حزب الله"، ما يجعل الساحة اللبنانية مفتوحة على مزيد من الفراغ والمجهول.