بغضّ النظر عن طبيعة التداعيات المرتقبة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت عشيّة أوّل من أمس الجمعة في تركيا على الساحة المحلّيّة الداخليّة، ومدى تأثيرها على السياسات الخارجيّة المستقبليّة لإدارة الرئيس رجب طيّب أردوغان، فإنّ ما يبدو شبه مؤكّدٍ هو أنّ العلاقاتِ التركيّةَ – الأميركيّةَ ستبقى معرّضةً لخطر مواجهة مراحلَ متتاليةٍ من التأزّم وعدم الاستقرار، طالما أنّ الولايات المتّحدة ما زالت توفّر الملاذ الآمن للداعية الإسلاميّ المعارض فتح الله غولن، ولا سيّما أنّ أحد القضاة الفيديراليّين الأميركيّين في مدينة سكرانتون في ولاية بنسلفانيا التي يقيم فيها غولن منذ عام 1999، كان قد رفض في نهاية شهر حزيران المنصرم السير في إجراءات دعوى قضائيّة أرادت الحكومة التركيّة رفعها ضدّه على خلفيّة اتّهامه بإصدار أوامر لمؤيّديه من قوّات الشرطة والنيابة العامّة والسلك القضائيّ باستهداف أعضاء حزب العدالة والتنمية الذي يتزعّمه الرئيس أردوغان.
وعلى رغم أنّ الداعية غولن سارع فجر أمس السبت إلى التعبير عن إدانته للمحاولة الانقلابيّة الفاشلة، نافيًا الاتّهامات التي وجّهها الرئيس أردوغان له بشأن الضلوع فيها، فإنّ من بين المؤشّرات الهامّة التي يمكن أن تدلّ على حجم الضرر الذي يُتوقّع أن يلحق بالعلاقات بين أنقرة وواشنطن، يكمن حاليًّا في طيّات ما يراود الإدارة التركيّة من شكوكٍ حول أسباب تأخّر الإدارة الأميركيّة في الإعلان عن إدانتها لهذه المحاولة، وهي شكوكٌ لا بدّ وأن تفتح شهيّة المحلّلين على قراءاتٍ واستنتاجاتٍ مختلفة في المستقبل القريب.
في هذا السياق، يمكن القول إنّه إذا كانت مسألة التعاون العسكريّ بين الولايات المتّحدة وروسيا قد شكّلت العنوان العريض للملفّات التي طرحها وزير الخارجيّة الأميركيّ جون كيري على مائدة البحث مع المسؤولين الروس خلال زيارته الموسكوفيّة الأخيرة، فإنّ العنوان الفرعيّ الأبرز لهذه الملفّات، لا بدّ وأن يكون قد تمحور حول الفرص الحاليّة المتاحة للجانبين في مجال تقاسم النفوذ على مصادر الطاقة في أماكنَ مختلفةٍ من العالم، بما فيها منطقة الشرق الأوسط بالطبع، وذلك في أعقاب ظهور عدّة مؤشّراتٍ تدلّ على أنّ الأميركيّين استشعروا مؤخّرًا حاجتهم الماسّة للتعاطي بحذرٍ شديدٍ مع التردّدات الناجمة عن إيقاع اتّساع رقعة الحضور الاستراتيجيّ الروسيّ في الكثير من مناطقهم الحيويّة، وخصوصًا من جهة ما يُتوقّع أن يُدرَج قريبًا في خانة "الآتي الأعظم" جرّاء اكتمال "عقد الودّ" على محور الارتصاف الدوليّ – الإقليميّ الجديد بين موسكو وأنقرة وتل أبيب.
وممّا لا شكّ فيه هو أنّ هاجس السيطرة على مصادر الطاقة في العالم، ظلّ يلازم الإدارات التي تعاقبت على سدّة الرئاسة في البيت الأبيض خلال سنوات القرن الحاليّ الستّ عشرة الماضية، وذلك تحت ذريعة الخوف من نهوض روسيا مجدّدًا في ظلّ إدارة الرئيس فلاديمير بوتين الذي كان قد دخل في الأصل إلى قصر الكرملين في اليوم الأوّل من أيّام هذا القرن.
على هذا الأساس، نجد أنّ الحربين اللتين خاضتهما الولايات المتّحدة في كلٍّ من أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، وإن كانت الغايات المعلنة من الأولى قد تمثّلت في "القضاء على الإرهاب" بينما تمثّلت الغايات المعلنة من الثانية في "القضاء على أسلحة الدمار الشامل"، إلّا أنّ الغايات غير المعلنة كان قد حدّدها الخبراء الاستراتيجيّون الأميركيّون في ضرورة السيطرة على ما يسمّى "قوس النفط الكبير" الذي يبدأ طرفه الشماليّ من آسيا الوسطى وبحر قزوين ليصل طرفه الجنوبيّ إلى المنطقة الأغنى والأهمّ في الخليج العربيّ، الأمر الذي أُضيفت إليه لاحقًا الثورات الملوّنة في كلٍّ من أوكرانيا عام 2004، وفي جورجيا عام 2005، وفي قيرغيزيا عام 2008، وذلك بدعمٍ أميركيٍّ واضحٍ، لم يكن الهدف منه أوّلًا وأخيرًا سوى التحكّم بإمدادات الغاز الروسيّ إلى دول الاتّحاد الأوروبيّ.
وإذا كانت إبرة البوصلة التي حدّدت مسار التوجّهات الأميركيّة في تلك المناطق الاستراتيجيّة الهامّة قد خابت في المحصّلة النهائيّة في الوصول إلى تحقيق الغايات المعلنة وغير المعلنة على حدٍّ سواء، فإنّ مردّ ذلك يعود إلى أنّ هوامش المناورة الروسيّة سرعان ما تحوّلت إلى ساحاتِ مواجهةٍ ونزال، وخصوصًا بعد أن سارعت شركة "غازبروم" إلى شنّ هجومٍ مضادٍّ تمثّل في الإعلان عن بدء الاستثمار في مشاريعِ غازٍ داخل أميركا اللاتينيّة وأفريقيا وآسيا، بينها خطّ "الدفق الشماليّ" الذي يوصل الغاز من شمال روسيا إلى ألمانيا عبر البحر من دون المرور في أراضي بيلاروسيا، وخطّ "الدفق الجنوبيّ" الذي ينقل الغاز عبر البحر الأسود إلى بلغاريا ويتوزّع منها جنوبًا عبر رومانيا وهنغاريا والنمسا، وشمالًا عبر اليونان وإيطاليا، إضافة إلى "الخطّ الأفريقيّ" الذي يمتدّ من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر من أجل تسييل الغاز ونقله إلى أوروبا.
وعلاوة على ذلك، فقد قامت "غازبروم" وقتذاك بالاستحواذ على نصف حصّة شركة "إيني" الإيطاليّة في ليبيا، وبدأت بإعداد خطط عمليّة للبدء بالاستثمار في كلّ من السودان ومصر، كما انتزعت السيطرة من شركة "شل" على مشروعٍ ضخمٍ للغاز الطبيعيّ في جزيرة ساخالين قُدّرت قيمته بأكثر من عشرين مليار دولار، ثمّ أعلنت أنّها ستقود عمليّاتِ تطويرٍ كبرى في حقل "شتوكمان" الهائل للغاز في الجرف القاريّ الروسيّ في بحر بارينتس، إضافة إلى إطلاق مشروعٍ جديدٍ لاستغلال مكامن الخامات في القطب الشماليّ الذي تشير الدراسات الجيولوجيّة إلى أنّه يحتوي على ثلث الاحتياطيّ العالميّ البحريّ من النفط والغاز.
وإذا كانت جميع هذه التحرّكات المذهلة قد تمّت قبل أن يُكشف النقاب عن الحجم الحقيقيّ لاحتياطيّات الغاز في المثلّث البحريّ الذي يجمع بين لبنان وإسرائيل وقبرص، وقبل أن يُصار أيضًا إلى اكتشاف مكامن الغاز داخل الأراضي السوريّة، فإنّ تزايد النفوذ الروسيّ في المنطقة في أعقاب بدء الحرب على الإرهاب في سوريا يوم الثلاثين من شهر أيلول العام الماضي، لا بدّ وأن يعطي قوّة دفعٍ إضافيّة لطموحات شركة "غازبروم"، وخصوصًا في مجال البدء بمشروع خطّ "الدفق التركيّ" المتّفَق على تنفيذه اعتبارًا من العام المقبل، ليحلّ مكان خطّ "الدفق الأوكرانيّ" الذي ستنتهي فترة العقد الموقّع بشأنه بين موسكو وكييف عام 2019، الأمر الذي يعني في إطار ما يعنيه أن جميع المحاولات التي بذلتها الولايات المتّحدة للتحكّم بإمدادات الغاز الروسيّ إلى أوروبا ستبوء بالفشل.. وهنا قد يكمن البيت في القصيد من وراء حركة تركيا الانقلابيّة الفاشلة ليل أوّل من أمس.. وإنّ بعض الظنّ إثم!