بحسب المعلومات يعود لتقرير وزير المال علي حسن خليل، وما تضمّنه من مخاطر مالية كبيرة في مالية الدولة، السبب في تحريك ملف إقرار الموازنة، من دون أن يعني ذلك أن هذه المخاطر قد تزيل العوائق والعراقيل التقنية والسياسية من أمام مشروع الموازنة، وأبرزها مسألة قطع الحساب وتمويل المحكمة الدولية. خليل يؤكد أن موازنته ستكون جاهزة قبل النصف الأول من الشهر المقبل، فهل تسلك مساراها الدستوري؟
أصدرت آخر موازنة في العام 2005 وآخر قطع حساب في العام 2003 وصُدّق في العام 2005، ومنذ ذلك الحين تنفق الدولة استناداً إلى القاعدة الإثنتي عشرية بما يشكل مخالفة دستورية. وأمام موازنة العام 2017 مسار طويل يتخلله ألغام عديدة تبدأ من الحكومة وتنسحب على المجلس النيابي. ووفقاً للأصول الدستورية ينجز مشروع الموازنة في الحكومة ويرسل نص مشروعه إلى مجلس النواب، الذي يخصص عقده العادي الثاني للتشريع، للبحث في الموازنة وإقرارها، وهذا العقد يبدأ في اول ثلثاء يلي الخامس عشر من تشرين الاول وينتهي في آخر السنة، وفق المادة 32 من الدستور. ولتجاوز المطب التشريعي في مجلس نيابي لا يلتئم، أرفق وزير المال تقريره بالإشارة الى إمكان اصدار الموازنة بمرسوم في الحكومة، استناداً إلى المادة 86 من الدستور التي تفسح المجال أمام رئيسي الجمهورية والحكومة أصدار الموازنة بمرسوم، إذا تقاعس المجلس النيابي عن إقرارها ضمن المهل العادية والإستثنائية. ولكن في ظل غياب رئيس للجمهورية هل يمكن لمجلس الوزراء القيام بهذه المهمة منفرداّ ؟
وزير العدل السابق ابراهيم نجارمن أصحاب الرأي القائل بوجوب إقرارها بمرسوم في هذا الظرف الذي تمر به البلاد، وفي حديث لـ " لبنان 24 " يوضح "أنه في حال لم يلتئم المجلس النيابي لإقرار الموازنة، يمكن للحكومة أن تقر مشروع الموازنة بمرسوم نظراً للظروف الإستثنائية ". وعن دور رئيس الجمهورية في هذا السياق، يستند نجار إلى نص المادة 62 "في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء"، مضيفاً "أؤيد انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء".
وعن لزوم إقرار قطع الحساب مع الموازنة، "المادة 86 نفسها، تشترط حتى يستطيع مجلس الوزراء إقرار الموازنة، ان يكون المشروع قد طرح على مجلس النواب قبل بداية العقد العادي الثاني للتشريع بـ 15 يوماً، أي قبل 3 تشرين الاول. ولكن هل سيتمكن مجلس النواب من الإنعقاد في ظل مشهد التعطيل المزمن؟
النائب ميشال موسى عبر "لبنان 24" يلفت إلى أن "إقرار الموازنة يندرج ضمن ما بات يعرف بتشريع الضرورة، ولكن في واقع الحال المجلس عبارة عن مكونات سياسية، وعقد جلسة تشريعية لإقرار الموازنة بحاجة إلى توافق سياسي، والسؤال هل ينجز مجلس الوزراء الموازنة ويرسل مشروعها إلى مجلس النواب؟ ولا سيما أن العقبات أمام أقرارها، هو الموضوع القديم الجديد أي قطع الحساب. صحيح يجب إقرار قانون قطع الحساب، ولكن هذا لا يمنع ارسال مشروع الموازنة إلى المجلس، والعمل في الوقت نفسه على انجاز قطع الحساب، الذي لم يقر منذ العام 2003 وبحاجة إلى وقت، وكله يتوقف على النوايا السياسية إن كان في مجلس الوزراء أو في مجلس النواب".
النائب جمال الجراح يبدو متفائلاً بإمكان عقد هيئة عامة لإقرار الموازنة في حال إرسالها من الحكومة "هناك قوى معطلة في مجلس الوزراء كما في مجلس النواب، ولكنني أعتقد أنه في حال إرسالها سيتم تأمين النصاب العادي 65 نائباً الضروري لعقد الجلسة".
الجراح وفي حديث لموقعنا رأى أن ربط الموازنة بقطع الحساب يصب في إطار تعطيل إقرار الموازنة، "على مدى سنوات أقرت في المجلس النيابي عدة موازنات بدون إقرار قطع الحساب، مع إضافة مادة في الموازنة، على أن يبقى لديوان المحاسبة صلاحية تدقيق ومراقبة الحسابات، ولكن البعض يناسبهم أن يبقى الانفاق على مداه عشوائياً".
أما الحديث عن تمويل المحكمة الدولية وما يمكن أن يشكله هذا الأمر من عائق قال الجراح "في كل مرة يعيدون حجة تمويل المحكمة الدولية، ومن تمّ يتم تمويل المحكمة بموافقة كل الأطراف، خلصنا من هذه النغمة، وما يتوجب على الدولة للمحكمة الدولية هو إقرار قانوني ودستوري وشرعي".
إذن الحديث عن الموازنة يعيدنا إلى خلافات سياسية يندرج في إطارها مبلغ الـ 11 ملياراً، وقطع الحساب، وتمويل المحكمة وسلسلة الرتب والرواتب، ليضاف إليها الرهان المالي على مداخيل النفط الموعود، والمقاربة لن تكون تقنية بل سياسية، تتأرجح بين رأي بجعلها من ضمن السلة وآخر بحصرها بمقولة "العدس بترابو كل شي بحسابو، فهل ينضج التوافق السياسي قبل ان ينهار الواقع المالي؟