يبدو أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة عقدت العزم على أن تكون مسألة تواجدها العسكريّ في منطقة البحر الأسود حاضرةً بفاعليّةٍ في أجندة مباحثات القمّة الروسيّة – التركيّة المقبلة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيّب أردوغان، حتّى وإن اضطرّها الأمر إلى السعي في اتّجاه "تعكير" المياه الراكدة بين ضفّتيْ ذلك البحر، بغية الإيحاء بأنّها قادرةٌ على "الاصطياد" فيها، على غرار ما حدث نهار أمس الأحد، عندما أعلن السفير الأميركيّ في أوكرانيا جيفري بايت أنّ أكثر من أربعمئةِ عسكريٍّ أميركيٍّ يشاركون حاليًّا في مناورات "سي بريز – 2016" الدوليّة التي تجري في المياه الإقليميّة الأوكرانيّة في البحر الأسود، علمًا أنّ هذه المناورات كانت قد بدأت أصلًا في الثامن عشر من الشهر الجاري.
لا شكّ في أنّ تزامن كلام السفير بايت مع بدء عمليّة العدّ العكسيّ لموعد اللقاء المقرّر إجراؤه الأسبوع المقبل في موسكو بين الرئيسين بوتين وأردوغان، يوحي بأنّ ثمّة رسالةً سياسيّةً بنكهةٍ عسكريّةٍ أرادت واشنطن توجيهها للجانبين الروسيّ والتركيّ على حدٍّ سواء، مفادها أنّ المصالح الاستراتيجيّة الأميركيّة في البحر الأسود الذي يفصله عن البحر الأبيض المتوسّط مضيقيْ البوسفور والدردنيل التركيّيْن هي خطٌّ أحمرُ لن يُسمَح بتجاوزه بأيّ شكلٍ من الأشكال، وذلك أملًا في المحافظة على الحدّ الأدنى من مقوّمات التوازن المطلوب لاستمرار "استراتيجيّة الردع المتبادَل" بين موسكو وواشنطن، وخصوصًا على جبهات مواجهاتهما الحاليّة والمتواصلة منذ أكثر من عامين في كلٍّ من سوريا وأوكرانيا.
وإذا كانت الإيحاءات الميدانيّة لهذه المواجهات قد أظهرت في أكثر من مناسبةٍ أنّ الأهداف المرجوّة منها بقيت محصورةً حتّى الآن في إطار رغبة كلّ طرفٍ في اختبار قوّة الطرف الآخر، من دون حدوث أيّ تماسٍ مباشرٍ بينهما، سواءٌ على الأراضي السوريّة أم على الأراضي الأوكرانيّة، فإنّ ما ظهر مؤخّرًا من مؤشّراتٍ تدلّ يومًا بعد يومٍ على أنّ الجانبين الروسيّ والتركيّ، يعتزمان المضيّ قدمًا في تفعيل علاقاتهما السياسيّة والاقتصاديّة والاستراتيجيّة، على خلفيّة إدراكهما المشترك بأنّ ما يجمعهما من مصالحَ أهمّ بكثيرٍ ممّا يفرّق بينهما، كان لا بدّ لها من أن تعني في حسابات الربح والخسارة أنّ الموقف الأميركيّ في كلٍّ من سوريا وأوكرانيا سيكون أضعف بكثيرٍ إذا ما فقدت الولايات المتّحدة فعلًا "حليفها الأطلسيّ"، أي تركيا، لصالح "شريكها اللدود"، أي روسيا، ولا سيّما أنّ تداعيات صدمة التفوّق الروسيّ على الأميركيّين في الحالتين الأوكرانيّة والسوريّة، سواءٌ من جهة إعادة ضمّ شبه جزيرة القرم في أوكرانيا عام 2014 أم من جهة نشر شبكة بطّاريّات صواريخ "إس. أربعمئة" في سوريا عام 2016، ما زالت تستبدّ بالسلوك الرسميّ الأميركيّ لغاية اليوم.
في هذا السياق، لا بدّ من التذكير بأنّ شبه جزيرة القرم كانت قد اكتسبت على مرّ التاريخ أهميّة استراتيجيّة بالغة في حسابات الدول الكبرى، وفي مقدّمتها روسيا وتركيا وفرنسا وبريطانيا، وذلك بسبب تموضعها في البحر الأسود على مقربةٍ من مضيقيْ البوسفور والدردنيل اللذين يربطانها بالبحر الأبيض المتوسّط من جهة، وبالقوقاز (بما في ذلك شمال القوقاز الروسيّ) من جهة أخرى.
ومنذ دخولها تحت السيادة الروسيّة أثناء مرحلة حكم الامبراطورة كاثرينا الثانية عام 1783، إثر انتصار روسيا على الامبراطوريّة العثمانيّة، شهدت شبه الجزيرة العديد من المعارك الضارية إبان الحرب الشرقيّة التي خاضتها روسيا ضدّ تحالف جيوش كلٍّ من تركيا وبريطانيا وفرنسا ومملكة سردينيا (1853- 1856)، وكذلك خلال الحرب العالميّة الثانية (1941- 1945)، حيث سطّرت روسيا في هاتين الحربين ما يُدرج في خانة الصفحات المجيدة لتاريخها الوطنيّ، وخصوصًا في معارك الدفاع عن مدينة سيفاستوبول التي تُعتبر المقرّ التاريخيّ لقواعد أسطول البحر الأسود الروسيّ، وهي القواعد التي سرعان ما تحوّلت إلى إحدى أكثر المواضيع إثارة للحساسيّة والجدل بين موسكو وكييف في أعقاب تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ عام 1991، بعد أن تمّ تقاسم قطع الأسطول بين روسيا وأوكرانيا، إلى أن توصّل الطرفان إلى تحديد الوضع القانونيّ لمسألة بقاء القطع الروسيّة في قاعدة سيفاستوبول بموجب سلسلةٍ من الاتّفاقيّات، كانت آخرها "اتّفاقيّة خاركوف" الشهيرة التي وقّعها الرئيسان الروسيّ ديمتري ميدفيديف والأوكرانيّ فيكتور يانوكوفيتش عام 2010، والتي نصّت على تمديد فترة مرابطة الأسطول الروسيّ في تلك القاعدة لغاية عام 2042، مقابل بدل إيجارٍ سنويٍّ تبلغ قيمته مئة مليون دولار، على رغم أنّ القوى المناهضة لروسيا في أوكرانيا، ومن بينها زعماء "الثورة البرتقاليّة" الموالين للغرب، كانوا قد بذلوا خلال الفترة التي أمضوها في الحكم بين عامي 2004 و2009 قصارى جهدهم من أجل إخراج القوّات الروسيّة من القرم، وتحديدًا من سيفاستوبول، ولكن دون جدوى.
على هذا الأساس، يمكن إدراك الدوافع الحقيقيّة لقيام الولايات المتّحدة، وبحسب ما صرّحت به مساعدة وزير الخارجيّة الأميركيّ للشؤون الأوروبيّة والآسيويّة فيكتوريا نولاند، بضخّ خمسة مليارات دولار من أجل دعم الحركة الانقلابيّة الأخيرة في أوكرانيا عام 2014، وذلك أملًا في قطع الطريق أمام وصول روسيا إلى المياه الدافئة!
وعلى هذا الأساس أيضًا، يمكن التكهّن بالسرّ الكامن وراء إصرار المنظومة الإعلاميّة الغربيّة التي تقودها واشنطن على عدم الإشارة، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، إلى الدور الذي يمكن أن تكون شبكة بطّاريّات صواريخ الـ "إس. 400" الروسيّة قد لعبته في إفشال المحاولة الانقلابيّة الفاشلة الأخيرة في تركيا ضد نظام الرئيس أردوغان!
وعلى هذا الأساس أيضًا وأيضًا، يمكن استنتاج الدوافع التي ألزمت الولايات المتّحدة بالاكتفاء بتمرير رسالتها السياسيّة ذاتِ النكهة العسكريّة، بشأن مناورات البحر الأسود، عن طريق سفيرها في كييف، وليس عن طريق المتحدّثين باسمها في مقرّ البنتاغون!
وهذه الأسس الآنفة الذكر إن دلّت على شيء، فهو أنّ كافّة الوقائع الميدانيّة المتوافرة في الوقت الحاليّ، تؤكّد على أنّ النفوذ الأميركيّ يعاني من حالةٍ من الارتياب بخصوص مستقبله في المنطقة على إيقاع تنامي قدرة وفاعليّة النفوذ الروسيّ.
ارتيابٌ.. وإن كان من السابق للأوان التكهّن بما إذا كان سيدفع بالمصالح الأميركيّة صوب الاندثار أو صوب الانتحار، إلّا أنّه أصبح أمرًا واقعًا بالفعل.. وما على دول الإقليم سوى البناء عليه.. واليقين!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)