أثارت الإعتداءات المتنقلة بين فرنسا وألمانيا وبلجيكا حالة ذعر في أنحاء أوروبا؛ استدعت سلسلة من الإستنفارات الأمنية، كان آخر هذه الإعتداءات هجوم على كنيسة بمنطقة نورماندي شمال فرنسا بعد مرور أسبوعين فقط على الإعتداء الذي نفذه تونسي بشاحنة تبريد في مدينة نيس جنوب فرنسا وقتل خلاله 48 شخصا وأصيب أكثر من 350. وكانت وكالة "أعماق" للأنباء التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" قد ذكرت في بيان أمس الثلاثاء أن منفذي الهجوم على الكنيسة هما جنديان من التنظيم المتشدد. وأضافت أنهما نفذا العملية (التي تخللها ذبح كاهن) إستجابة لنداءات إستهداف دول التحالف الصليبي.
إذا إن مصانع الإرهاب في العالم تعمل بكامل طاقتها والإرهاب الإسلامي وصل الى أوروبا. منفذو الحوادث سواء كانوا ذئابا منفردة أو ضمن مجموعة يستوحون من ممارسات داعش الوحشية، لا غرابة في الأمر فمن ارتكب مذبحة الإيزيديين يرتكب مذابح من هذا النوع، ومن يقطع رؤوس مسلمين رفضوا مبايعة الدولة الإسلامية يقطع رؤوس الصليبيين. لكن لماذا في أوروبا؟
لاشك أن للمكان دلالاته وللزمان مغازيه. فدول أوروبا جزء من الحملة القائمة ضد داعش والجماعات المتطرفة وبالتالي لا غرابة بأن تكون هذه الدول أهدافا شرعية بالنسبة لهذه الجماعات (بإعتبار هذه الدول أعضاء في التحالف الدولي ضد داعش). أيضا تعاني أوروبا ضعفا أمنيا داخليا وتجذرا للمسلمين، الى درجة ان معظم من يقومون بالأعمال الإرهابية هم أوروبيون من الجيل الثالث ومن أصول مسلمة. كما أن فتح أوروبا أبوابها لملايين اللاجئين سيما السوريين منهم (بسبب حاجة هذه الدول وتحديدا المانيا لليد العاملة الشابة) لم ينزع عنها مظاهر العنصرية ولم يلغ عقد الإسلاموفوبيا وما يترتب على ذلك من مظاهر سلوك الأوروبي الذي يخاف من الآخر المختلف تاريخيا والذي يرى في كل مسلم ارهابيا، يضاف لذلك أن الإتحاد الأوروبي لم يكن قويا كما يجب وان الدول الأوروبية تتراجع عموما في الإقتصاد والسياسة ما يضعف دورها عالميا ويجعلها أهدافا سهلة للإرهاب العالمي المتنقل. وطبعا لا يمكن فصل كل ذلك عن ميل عالمي لليمين (حتى في الإقتصاد) وإيصال أحزابه الى السلطة ومواقع القرار في العالم .لذا من المتوقع أن يكون الخوف من الإرهاب الناخب الأكبر في صناديق الإقتراع الأوروبية في الإستحقاقات القادمة.وان يكون الزمن القادم هو زمن اليمين المتشدد او اليمين الأكثر تشددا.
هذا في محاولة حل لغز المكان (أوروبا تحديدا) اما عن التوقيت، فإن العودة لحطام الشرق الأوسط كفيل بجلاء هذا الأمر. فكلما كان هناك ضغط على التنظيمات الإرهابية في المعارك الدائرة في الإقليم من ليبيا الى العراق فسوريا،تمدد الإرهاب نحو أوروبا، فخلال الشهور الثلاثة الأخيرة خسرت داعش ما يزيد عن 50% من المناطق التي كانت قد سيطرت عليها .
إن القرار بإنهاء داعش والقاعدة لم يتخذ بعد، فمن بديهيات الحرب على داعش انه لا يمكن القضاء عليها عبر القوات الجوية وحدها(تتطلب قوات برية)، كما أن المعلومات تؤكد الامكانيات العسكرية الكبيرة ل داعش (تملك 800 او 900 صاروخ ستينغر) وان دول "التحالف" مستمرة بتسليحها وتزويدها بمسلتزمات تضمن عدم حسم المعركة لصالح روسيا وحلفائها في المحور. فبينما لا خيار أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سوى متابعة الحرب على الإرهاب (رغم انها مكلفة وصعبة) حيث جاء القيصر الى سوريا كي لا يضطر الى محاربة داعش داخل الإتحاد الروسي او على أطرافه. فإن أميركا التي لا زالت الأقوى عالميا رغم سقوط الأحادية القطبية، لا يظهر انها متحمسة حقا لإنهاء داعش، فإرتدادات تمدد الإرهاب لا تهدد مباشرة في السياسة او العسكر ولا حتى في الإقتصاد. فحتى أحداث 11 أيلول استغلت بطريقة إيجابية لتصب في شرعية الهيمنة الأميركية على العالم. كما أن الولايات المتحدة الأميركية التي تملك اكثر من 800 قاعدة عسكرية في العالم (سيما في إلمانيا) ما زالت صاحبة القرار وليس لروسيا ان تتحداها ومثلها حلف الناتو (شمال الأطلسي) الا في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في سوريا.
أيضا فإن لبنان ليس بعيدا عما يحصل في العالم، فداعش تحتل ما يقارب ال 10% من الأراضي اللبنانية، لكن لا قرار حتى الساعة بجعله قاعدة متحركة. ورغم احتلال 333 كلم2 من لبنان لتهريب الأسلحة لصالح تنظيمي "داعش" وجبهة النصرة، فإنها ما يزالان محاصران من جهة بالجيش السوري و"حزب الله"، ومن جهة أخرى بالجيش اللبناني الذي اتخذ القرار العالمي بتعويمه (وايضا الجيش السوري).
لم يحقق تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الهدف من صنعه واحتضانه حتى الساعة، وهو تنظيم مرتبط بشكل وثيق بمشروع تقسيم المنطقة الذي كثر الحديث عنه والذي لصالحه تتحرك "الذئاب المنفردة". يؤكد التاريخ ان الدول تنشأ بالقوة، فهل يشرعن ذبح الكاهن الفرنسي بوحشية واستمرارية الوضع كما هو، لفتح ابواب الأتي على الأسوأ وتقسيم المشرق العربي وتمزيق الخرائط واستبدال الحدود القائمة اليوم؟
المستقبل مفتوح على جميع الإحتمالات.. سيما أكثرها دموية.