كُل المؤشرات السياسية والإقليمية تشير إلى أن سوريا أمام فرصة إنعقاد التسوية الكبرى التي قد تستغرق وقتاً لا بأس به، فمن الإتفاق الروسي – الأميركي على محاربة الإرهاب، إلى "الإنكفاءة التركية"، وصولاً إلى الحسم المتدحرج في حلب. في لحظة سياسية إقليمية إنقلبت التوازنات السياسية في المنطقة، لتدخل دول كانت مستبعدة من التسوية السورية إليها وتخرج أخرى كانت جزءاً لا يتجزأ منها، كأن التسوية السورية لا تتسع للجميع.
منذ تدخلها العسكري في سوريا لم تسع موسكو إلى الحسم العسكري، كان هدفها إعادة التوازن للميدان لفرض تسوية تحفظ لها حصة الأسد من النفوذ السوري، لكن إسقاط الطائرة الروسية من قبل سلاح الجو التركي جعل روسيا تسعى إلى عزل تركيا من الميدان السوري وتحجيمها في أي تسوية قادمة، حتى أن بعض الديبلوماسيين الروس قالوا في مجالسهم الخاصة أن الهدف على المدى المتوسط هو تقسيم تركيا.
التطورات الميدانية حينها أوحت بالرغبة الروسية، فقد قدم سلاح الجو الروسي غطاءً جوياً للأكراد ليتقدموا بإتجاه أعزاز، إلى حين وضعت واشنطن خطاً أحمر حول حلب، ففرضت الهدنة على الجميع.
بدأت موسكو حواراً جدياً مع السعودية، وحيّدت في فترة الهدنة التنظيمات القريبة منها كجيش الإسلام الذي زار وفد منه قاعدة حميم الروسية في اللاذقية، في مقابل إستمرارها في قصف قوافل النفط التابعة لداعش والمعابر عند الحدود التركية، بالتزامن مع العقوبات الإقتصادية على تركيا التي أزعجت الأخيرة، قبل أن تقرر تقديم التنازلات لموسكو ثمناً للمصالحة كما أوحت حينها التسريبات الديبلوماسية.
"الإنكفاءة التركية" أعادتها إلى التسوية
لكن الأحداث المتسارعة قلبت التوازنات السياسية بسرعة قياسية. حصلت المصالحة التركية – الروسية فقُطع طريق الكاستيلو شريان حلب الأخير بالنار لتطوي بذلك موسكو وحلفائها صفحة الخطّ الأحمر في حلب بما أوحى بغض نظر تركي، ليأتي بعدها الإنقلاب العسكري الفاشل في تركيا وغمز أنقرة من قناة واشنطن بإعتبارها متورطةً فيها، ومن ثم تصريح وزير الخارجية التركي أن "روسيا هي أول دولة ساعدتنا ووقفت إلى جانب الشرعية".
إنكفأت تركيا ولم تعد قادرة – أو راغبة – في تغطية المسلحين في حلب، فزاد تقدم الجيش السوري الميداني مستنداً إلى التناغم التركي – الروسي المترافق بتوافق موسكو مع واشنطن.
هذه المؤشرات وغيرها بدأت توحي للرياض بأنها خارج تسويات الشمال السوري، فبدأت المجموعات القريبة منها التحرك قرب دمشق، من قصف باب توما إلى الزبداني ومحيطها، في الوقت الذي لم يشارك فيه "أحرار الشام" الجناح العسكري للأخوان المسلمين في سوريا إلا بمعركة شكلية لفكّ الحصار عن الكاستيلو، إستمرت لساعتين، أعلنت بعدها توقف المعارك لأسباب "فنية".
بالتوازي بدأت المعلومات تتوارد من تحضيرات الجيش السوري لحسم المعركة فيما تبقى من قرى ريف اللاذقية، أحد معاقل الفصائل المقربة من تركيا.
المعلومات الآتية من دمشق تؤكد ان جبهة "النصرة" ستكون إحدى أهم المستهدفين من الإتفاق الروسي – الأميركي، ولعل إنفراط عقد "جيش الفتح" ذراع السعودية في الشمال السوري، والذي بدأ يظهر للعلن، يأتي لتحييد التنظيمات التركية كأحرار الشام من معركة الحسم القادمة قبل العودة إلى المفاوضات.
أين واشنطن من هذا الحراك؟
يؤكد المصدر الديبلوماسي أن أولويات الإدارة الاميركية الحالية إنقلبت رأساً على عقب فلم يعد رحيل الأسد مطلوب الآن، بل كل التركيز أصبح على ضرب "داعش" ومشتقاتها في كل مكان من الموصل والرقة ودير الزور وصولاً سرت، ولمّا كانت الخطوط الحمر الروسية منعت أي إنجاز أميركي منفرد في الرقة ودير الزور، فإن تفاوض موسكو – واشنطن يدور حالياً حول الثمن الذي ستقبضه الأخيرة مقابل غض النظر عن حسم حلب من جهة وتوزيع النفوذ في "سوريا المقبلة" كما في الشرق الأوسط نفطاً وغازاً وسلاحاً