في وطن باتت فيه الألوان باهتة، من الأزرق إلى الأصفر إلى البرتقالي فالفسفوري والفستقي، لم يجد منظّمو مهرجان "بياف" للجوائز التكريميّة سوى اللون الأحمر لسجادة بطول خمسة كيلومترات من "البريستول" حتى "الزيتونة باي"، لتحقيق رقم "أطول سجّادة حمراء في العالم" قبل يومٍ على توزيع هذه الجوائز. إلاّ أن منظمي المهرجان، الذين ارادوا إدخال لبنان في كتاب "غينيس" عبر أطول سجادة حمراء، أدخلوه من حيث لا يدرون في كتاب المهازل، وكأن ما فينا من مصائب لا يكفينا.
وفي مقارنة بين هذه "المسخرة"، التي تحولت بالأمس مادة استهزاء من قبل جميع الذين سلكوا هذا الطريق، مع منظر شارع النفايات التي قامت قناة الـ "سي ان ان" بتصويرها منذ ثلاثة أشهرونشرها عبر الإعلام الفضائي، فكان ما كان وارتبط إسم لبنان بهذه الزبالة، التي لم يستطع مجلس الوزراء أيجاد حلّ لها حتى الأمس القريب، وهو الغارق في هذه الأيام بملف التخابر غير الشرعي، لا يسع المرء إلاّ أن يترحم على ايام زمان، حتى وصل الأمر ببعض المتذمرين إلى التحسر على أيام الميليشيات، التي كانت تنظمّ حتى خلافاتها. فالزبالة كان وضعها أفضل، وكذلك الكهرباء والمياه.
وللصدفة تزامن هذا الحدث "المسخرة" (سجادة الـ"بياف")، التي كان مصيرها إرباك المنظّمين والمارّة وحتى عمال "سوكلين"، مع دعوة الرئيس سعد الحريري إلى إدخال لبنان، من بوابة الفراغ الرئاسي في "غينيس بوك"، وهو كان يطبّل، ولا يزمّر، مع المطبلين من كشافة أهل بيروت، وهو كان يدّشن هذه السجادة، مع أصحاب الطرابيش الحمراء. وللتذكير كانت إحدى القبائل الأفريقية تطبّل لطرد الأرواح الشريرة.
فبين سجادة "بياف" الحمراء وجهنم الحمرا، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من يومياتنا، بفضل السياسات القصيرة النظر، التي باتت تتحكمّ بمفاصل حياتنا العامة، يقف اللبنانيون عند قارعة الطرقات، متوسلين حلاً لأزماتهم المتشابكة، وبالأخصّ في هذه الأيام المشوبة، حيث تكاد الكهرباء تكون ضيفاً موسمياً على البيوت، تاركة الساحة لأصحاب الموتورات يتحكّمون برقاب العباد، من دون رقيب أوحسيب أو محاسبة.
لم يكن ينقصنا سوى هذه المهزلة لتجعلنا في مصاف الشعوب، التي تستحق عن جدارة إحتلال الصفحات الأولى لكتاب "غينيس"، من حيث قلّة المسؤولية، وكثرة "التعتير"، مع تسجيل أرقام عالية وعالمية في إنحدارنا نحو هاوية جهنم الحمرا، مع العلم أن ما فيها من ويلات لا يختلف كثيراً عما نحن إليه صائرون.
يكفي أن يشاهد المواطن كل مساء نشرات الأخبار، وما فيها من فضائح، حتى يتيقن أنه يعيش فعلاً في قلب هذا الجحيم.