ثلاثة عوامل جعلت ميشال عون يستبشر خيراً في الآونة الأخيرة بالنسبة إلى إانتخابه رئيساً في المدى المنظور: عامل واقعي، تمثّل بتحوّل واضح في موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من معارض لـ"لجنرال" الى غير ممانع له؛ عامل واهم تجسّد بتكوين تصوّر زائف لدى عون بأنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري بات أكثر مرونة حيال ترشيحه؛ وعامل خاطئ ناتج عن تفسير واستنتاج غير دقيق لبعض المعطيات السياسية، أدّت الى تفاؤل مفرط بأنّ رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري سوف يستسلم قريباً لخيار عون رئيساً.
ولكنّ قراءة مفصلة لبعض التطورات الأخيرة تشير الى أنّ آمال "البرتقاليين" بتجاوز العقبات المزروعة على طريق قصر بعبدا قد تكون في غير محلّها. ففي ما يختصّ بجنبلاط، ولو أنّ موقفه من ترشيح عون قد تبدّل على أساس أنّ الوضع قد اصبح خطيراً وأنّه لا يجوز الإبقاء على الفراغ الرئاسي، الا أنّ موافقته على "الجنرال" تبقى مشروطة بتوافق داخلي واسع حوله، وبالتالي لا مجال لأن يصوّت الزعيم الدرزي لعون ما دام الحريري غير موافق عليه. اذاً، فإن كلام جنبلاط العلني حول قبوله بعون لا ترجمة عملية له، بل يبقى حتى الساعة، وعلى رغم صحّته، أشبه بموقف "يبيعه" نائب الشوف للمسيحيين منه الى خطوة متقدمة على خطّ الرئاسة.
أما في الشقّ المتعلّق برئيس المجلس، فإذأ كان صحيحاً أنّ العلاقة بين الرابية وعين التينة قد تحسّنت الى حدّ ما، الّا أن الاعتقاد بأنّ هذا التحسّن سوف يؤدي الى تبدّل قريب في موقف برّي من ترشيح عون يبقى من نسج الخيال، خصوصاً أنّ "الاستاذ" ما زال متمسّكاً بترشيحه "للبيك"، أي للنائب سليمان فرنجية كما يكرّره هو، وأنّ اختلافه مع عون راسخ ومتشعب وعميق، جزء كبير منه متعلّق بشخصيتي الرجلين المتنافرتين، وجزء آخر بأسلوب سياسي متباين الى أقصى الحدود بينهما. وبناء على ذلك، فانّ الاتفاق الأخير بين الجهتين حول الغاز وكيفية استثماره، وان نجح في ترطيب الأجواء بين الرجلين، إلا أنّه بالطبع غير كاف لرأب الصدع وتصويب العلاقة الصعبة بينهما، وبالتالي لا جدية في أي تصور بأنّ برّي قد يتبنى ترشيح عون ان لم "يُرغم" على ذلك.
الحريري للوسطاء.. منشوف!
أخيراً، تبقى الآمال معلقة في الرابية على امكانية أن يجد الحريري نفسه مضطراً للقبول بعون، وهي امكانية يعتبر "البرتقاليون" أنّ حظوظها متزايدة، نظراً إلى ما يشاع عن وضع الحريري الحرج مالياً وسياسياً، وعن ضرورة أن يجد لنفسه مخرجاً من هذا المأزق عبر مفاوضته عون على الرئاسة الثالثة مقابل الرئاسة الأولى. كذلك، فإنّ التفاؤل الذي ساد مؤخراً بالتوصل الى اتفاق حول قانون للانتخابات النيابية في جلسات الحوار المرتقبة أوائل آب المقبل عزّز اقتناع "العونيين" بأنّ " الحلحلة" مع "المستقبليين" لم تعد بعيدة، اذ انّ التخلّص من هذا الموضوع الحساس يزيح تلقائياً احد التعقيدات الاساسية بين الرابية و"بيت الوسط"، ويسهّل بالتالي عملية "التفاوض" بين الجهتين على الأمور الأخرى.
وما زاد من اقتناع الرابية بأن "بيت الوسط" قد اقترب من الموافقة على انتخاب عون، اللقاءات التي جرت وما زالت تجري بين قياديين من الجهتين، ساهمت في تعميم أجواء، ولو غير دقيقة، بإنّ الأبواب ما زالت مفتوحة على طرح عون رئيساً، أو أقلّه بأنّها لم تغلق نهائيا أمام هذا الاحتمال. بالاضافة إلى ذلك، فإنّ مرجعاً رفيعاً مجتهدا على خط الوساطة بين الحريري وعون، سبق له أن زار رئيس "التيار الأزرق" أكثر من مرة في محاولة لإقناعه بالمضي قدما بترشيح عون مقابل ضمانات يطلبها من هذا الأخير، سمع من الحريري كلاما أقلّ تصلّبا ضدّ الجنرال في آخر زيارة له لبيت الوسط، حيث أجاب الحريري على إلحاح هذا المرجع بأن يتفاوض مع الجنرال بكلمة " منشوف" ، أي أنّه سوف يدرس الأمر، ما أعطى "العونيين" جرعة أمل إضافية.
ويتقاطع هذا الكلام مع معلومات أخرى مفادها أنّ الحريري قال منذ حوالي عشرة أيام لأحد السياسيين المبادرين الى تقريب وجهات النظر بين الرابية و"بيت الوسط" أنه سوف يتشاور مع السعوديين بمسألة عون، وهذا كلام جديد من نوعه، اذ لم يسبق للحريري أن ذكر قبل ذلك مباشرة دور المملكة العربية في موضوع الرئاسة أو نيته في المبادرة الى بحث هذا الموضوع معها.
الا أنّ مصادر متابعة لمسألة الرئاسة تجزم بأنّ هذا الكلام من باب "المسايرة" السياسية ليس الا، خصوصاً أنّ الحريري يعي تماماً أن لا اهتمام حقيقياً سعودياً في انتخاب عون أو غيره في لبنان في الوقت الحالي، وأنّ المملكة منكبة على متابعة الملفات المتأججة في المنطقة. أضف الى ذلك أنّ "المباركة" السعودية لعون يجب أن تأتي على أعلى المستويات السعودية، حيث مونة الحريري أصلاً لم تعد مضمونة، ما يزيد من صعوبة أي تحرّك له في هذا الاتجاه.
وحتى داخلياً، فإنّ الحريري سوف يجد نفسه في موقف حرج أمام جمهوره الذي سبق أن شكّك بدعم زعيمه لفرنجية ليتقبّله لاحقا بصعوبة بالغة، ما يجعل استيعابه الآن لتأييد عون أمراً شبه مستحيل وهزيمة سياسية قد لا يتحمل عبءها الزعيم السني. ومن هذا المنطلق، فان ترجمة كلام الحريري على أنه بداية لحلّ عقدة الرئاسة تحليل متسرّع لمعطيات متقلبة وكلام، ولو صدر عن الحريري، الا أنه وليد ساعته ولا يعبّر عن موقف ثابت أو اقتناع راسخ كما يراه الكثيرون، اذ لا أرضية داخلية أو إقليمية لترجمته فعلياً.