كان لا بدّ للجريمة الهمجيّة والشنيعة التي أودت بحياة الكاهن جاك هامل على مذبح الربّ في مدينة روان الفرنسيّة من أن تثير موجةً عارمةً من مواقف الشجب والإدانة والاستنكار في أماكنَ مختلفةٍ من العالم، على خلفيّة ما اتّسمت من وحشيّةٍ لا تمتّ إلى السلوك البشريّ الطبيعيّ بأيّ صلة، تمامًا مثلما كان لا بدّ لها من أن تستوجب إعادة تسليط الضوء على جوانبَ ظلّت مهملةً في أجندات المعنيّين بملفّ مكافحة ظاهرة التطرّف والإرهاب على طول خارطة العالم وعرضها، وأهمّها الدور المشبوه الذي لعبته وسائل الإعلام العالميّة والعربيّة في الترويج لهذه الظاهرة الظلاميّة المقيتة، وهو ما يبدو أنّ الدوائر الإعلاميّة الفرنسيّة استدركته مؤخّرًا على وقْع هوْل صدمة ذبح الكاهن – الشهيد، الأمر الذي دفعها نهار أمس الأربعاء إلى اتّخاذ قرارٍ يقضي بالتوقّف عن نشر كافّة الأخبار المتعلّقة بعمليّات الإرهابيّين وجرائمهم وتحرّكاتهم ونشاطاتهم، وذلك في خطوةٍ صائبةٍ وجريئةٍ يُفترض أن يُحتذى بها في بقيّة دول العالم، وبالأخصّ هنا في العالم العربيّ.
هذه الخطوة النابعة من الحسّ بالمسؤوليّة تجاه الأخطار السيكولوجيّة التي ظلّت تنجم على مدى السنوات الماضية عن نشر مثل هذه الأخبار، وخصوصًا من جهة تحريك وإثارة غرائز العنف والتطرّف والإرهاب في أوساط الجماعات المحكومة بها، سرعان ما أعادت إلى الأذهان محاضرةً على قدْرٍ كبيرٍ من الأهميّة، كانت أستاذة علم الأعصاب في جامعة أوكسفورد البريطانيّة الباحثة كاثلين تايلور قد ألقتها في مهرجان "هاي للثقافة والفنون" في مقاطعة ويلز عام 2013، وكشفت فيها عن خلاصة أبحاثها بخصوص "ارتباط الأصوليّة الدينيّة بالأمراض العقليّة"، أملًا في وضع بوصلةِ هتداءٍ صوب الأرضيّة التي يمكن على أساسها إيجاد وسائل العلاج لمثل هذا "المرض المزمن" الذي يواصل التفشّي في المجتمعات التي بقيت حتّى الأمس القريب مستعصيةً عليه، وبالشكل الذي غالبًا ما كان يؤدّي إلى الفتك بضحايا ضحاياه الأبرياء أكثر من ضحاياه المرضى أنفسهم، أي بمن لا ذنب لهم سوى أنّهم يعيشون في تلك المجتمعات.
ما كان لافتًا في هذه الخلاصة التي توصّلت إليها الباحثة البريطانيّة هو أنّ دراستها لم تنحصر في إطار الأصوليّة الإسلاميّة وحسب، بل اشتملت أيضًا على عيّنات أخرى كتلك التي اعتبرت أنّ دفاع "الجهاديّ الإسلاميّ" عن عقيدته بذلك الأسلوب المتطرّف الذي يوصله إلى الجريمة، قد لا يختلف كثيرًا عن سعي المؤمنين بالعقيدة الرأسماليّة الذين قاموا، على سبيل المثال، بقتل الآلاف إبان حكم الرئيس الأميركيّ ريتشارد نيكسون، إرضاءً لبارانويا العداء للشيوعيّة، وهو الاعتبار الذي دفع تايلور إلى التساؤل بتهكّم "عمّا إذا كانت أصوليّة أسامة بن لادن أقلّ وطأةً من أصوليّة منظّري الرأسماليّة الذين أمطروا لاوس وكمبوديا وكوريا الشماليّة بالقنابل والصواريخ"؟
صحيحٌ أنّ هذه المحاضرة كانت قد أُلقِيت قبل ظهور تنظيم "داعش" ومشتقّاته بنحو عامٍ من الزمان، ولكنّ أهميّة إعادة التذكير بها في هذه الأيّام تكمن في أنّها أبرزت ميلًا واضحًا إلى رفض كافّة أشكال التطرّف الفكريّ والعقائديّ، حتّى على مستوى الممارسات الشخصيّة اليوميّة المرتبطة بثقافة العنف، ومن بينها، مثلًا، "ذلك المعتقَد الذي يقول إنّ معاقبة الأطفال بالضرب أمرٌ لا بأس به"، وهي أمور متّصلة فيما بينها بالعنف الذي لا يبدو في أيّ حالة من الأحوال خيارًا شخصيًّا، أو نتيجةً لإرادةٍ حرّةٍ تامّةٍ، بقدر ما يبدو مرضًا متّصلًا بالاضطراب العقليّ.
"الثالوث المحرّم"
قد يكون من المفيد هنا استحضار ما ذكره صاحب نظريّة "نهاية التاريخ وخاتم البشر" المفكّر الأميركيّ فرانسيس فوكوياما عن أنّ أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتّحدة بحقّ نُظُمها القيميّة، تمثّلت في أنّها اكتفت بالعمل على تحقيق مصالحها السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة من خلال تحالفاتها مع عددٍ من الدول الغنيّة في الشرق الأوسط، من دون أن تبذل أيّ جهدٍ يُذكر على صعيد إقناع قادة تلك الدول بالقيام بتوزيعٍ عادلٍ لثرواتهم الوطنيّة على شعوبهم، الأمر الذي أفسح في المجال أمام بروز ظاهرة التطرّف والإرهاب في تلك المجتمعات التي راحت تتحوّل تدريجيًّا إلى بيئةٍ حاضنةٍ لتفريخ الإرهابيّين وتصديرهم إلى الخارج.
وممّا لا شكّ فيه هو أنّ موضوع التفاوت الطبقيّ، يشكّل بالإضافة إلى موضوعيْ الدين والجنس، زوايا ما يُعرف بـ "الثالوث المحرّم"، نسبةً إلى الكتاب الشهير الذي أصدره بو علي ياسين تحت نفس العنوان في سبعينيّات القرن الماضي، والذي اعتبر فيه أنّ الخطوط الحمراء التي وضعها القائمون على رسالات رسل الله على الأرض للحيلولة دون التطرّق للدين، حتّى خارج نطاق الإلحاد، وللجنس، حتّى خارج نطاق الأباحيّة، وللتفاوت الطبقيّ، حتّى خارج نطاق الشيوعيّة، أدّت في نهاية المطاف إلى خلقِ مجتمعاتٍ منغلقةٍ على نفسها، ويعيش فيها بشرٌ يعانون في الأصل من مشكلاتٍ لا حصر لها على صعيد التفاهم مع طموحاتهم ورغباتهم الشخصيّة، وهي المشكلات التي تسبّبت لهم بـ "اضطرابات عقليّة"، على حدّ تعبير الباحثة تايلور، ودفعتهم إلى تبنّي نهج الأصوليّة والسير على طريق الإرهاب.
ولعلّ النقطة الأهمّ التي يُفترض استحضارها في سياق الحديث عن هذا الموضوع، تتعلّق بدور الإعلام الواعي في التعاطي مع المدّ الأصوليّ والتكفيريّ الهائل الذي لم يسبق لا لارتفاع منسوب خطورته، ولا لاتّساع نطاق استهدافاته الدمويّة، في الوقت الراهن، أيّ مثيل.
وإذا كانت الشواهد التاريخيّة تدلّ على أنّ "قناة الجزيرة" في قطر هي التي افتتحت موسم الترويج للفكر الأصوليّ، منذ أيّام تلك المقابلة القديمة التي أجراها الزميل جمال اسماعيل مع أسامة بن لادن في أواخر تسعينيّات القرن الماضي، والتي استخدمها مدير الأخبار (وقتذاك) في "الجزيرة" الزميل صلاح نجم في برنامجه الشهير "رجلٌ ضدّ دولةٍ.. ودولةٌ ضدّ رجل"، فإنّ عمليّات الترويج لذلك الفكر، ظلّت مستمرّة حتّى بعد هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001، ولدرجةٍ دفعت الكثيرين إلى حدّ الاعتقاد بأنّ إغراق وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة والمقروءة بأخبارٍ عن "ثقافات" الأصوليّين وتحرّكاتهم، كان ضرورةً ملحّةً للدعاية الرسميّة الأميركيّة التي أرادت السعي في اتّجاه توفير "المبرّرات الأخلاقيّة" لاستمرار خططها الاستراتيجيّة في مجال "الحرب على الإرهاب".
وعلى رغم أنّ التفكير بـ "عقليّة المؤامرة" يغري كثيرًا بطرح مئات التساؤلات عمّا إذا كانت المنظومة الإعلاميّة الغربيّة، وأدواتها المحلّيّة، قد فعلت فعلتها في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة مع سبق الإصرار على نوايا مبيّتةٍ أم لا، وخصوصًا في ظلّ تحوّل مهنة الإعلام من رسالةٍ إلى تجارة، فإنّ ما يُفترض وضعه على رأس سلّم الأولويّات في الوقت الحاليّ هو كيفيّة العمل على وضع حدٍّ لهذا الانتحار الإنسانيّ المجنون، وأقلّه أن نحذو حذوّ الدوائر الإعلاميّة الفرنسيّة بالإقدام على حظر بثّ أخبار الجماعات الإرهابيّة والأصوليّة والتكفيريّة حيثما تتواجد في العالم، علّنا نقدّم بذلك تحيّة وفاءٍ لأرواحِ زملاءَ سقطوا أثناء قيامهم بأداء واجباتهم المهنيّة في خضمّ تداعيات هذه المعمعة الهستيريّة الطائشة، وبالتالي، علّنا نسهم في إيقاظ الضمير المهنيّ في وجدان زملاءَ آخرين "ساقطين" في الأصل.. وهم لا يزالون على قيد الحياة!
(جمال دملج - كاتب متخصص في الشؤون الروسية)