انطلق الحوار من على طاولته في محاولة جديدة وجدّية للاتفاق على سلسلة أولويات، من رئيس للجمهورية الى قانون حديث للانتخابات النيابية، وسط تكاثر الإشاعات حول حلحلة بين الرابية وبيت الوسط من شأنها أن تسرّع انتخاب الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية في الأسابيع المقبلة.
اذ، وكما تقول مصادر مطلعة عن كثب على موضوع الرئاسة، لم يعد بين عون والرئاسة سوى "ومضة"، ولو أنّ حين حدوثها غير واضح بعد. الا أنّ نتائج المشاورات التي انطلقت اليوم من عين التينة لثلاثة أيام متتالية لا بدّ من أن تؤثّر على مجرى الأمور على المسار الرئاسي، وبالتالي فمن المنتظر أن تتبلور الصورة الى حدّ ما بعد انتهاء حلقات الحوار.
وفي المشهدية العامة للتطورات على طريق بعبدا، ثمة كلام عن تصوّر أو مشروع اتفاق بين الأفرقاء المعنيين، وتحديداً التيارين الأزرق والبرتقالي، يمكن اعتماده في الشهور المقبلة كحجر أساس لحلّ طويل المدى لاحقاً.
وفي تفاصيل هذا الاتفاق أن انتخاب عون رئيساً للجمهورية فيجري في القريب العاجل وتشكّل حكومة برئاسة وزير الداخلية نهاد المشنوق لفترة وجيزة فيكون هو المشرف على الانتخابات النيابية المقبلة، على أن يُصار الى تقديم موعد هذه لانتخابات ويكلّف رئيس تيار "المستقبل" تشكيل أول حكومة بعد قيام مجلس النواب الجديد.
ولكنّ مراقبين سياسين يستصعبون قيام معادلة كهذه، لا توصل الحريري مباشرة الى سدّة الرئاسة، وتؤدي في الوقت نفسه الى تقوية أحد صقور "المستقبليين"، أي المشنوق، على غرار ما حصل سابقاً مع الرئيس فؤاد السنيورة. وفي ذلك منافسة جديدة على زعامة الحريري لا يمكن أن يجازف بها هذا الأخير ولو مع أقرب المقربين اليه، فهو لا يستطيع أن يحمل رئيساً ثانيا في تياره ولا أن يخوض مغامرة خطيرة لا ضمانات له في انتهائها كما يطمح اليه، نظرا إلى التقلّب السريع للتطورات على الساحة الداخلية السياسية، وخصوصاً أنّ وضعه السياسي ليس على أفضل حال، وأنّ قدرته حتى على السيطرة التامة داخل فريقه مشتبه بها، خصوصاً أن الحريري المكتوي من "حليب السنيورة" وتجربة الوزير اشرف ريفي بات ينفخ على "لبن المشنوق"، علماً أنه لا يزال ينظر خلفه استناداً إلى تجربة تمام سلام في الحكم، الذي أتى في الأساس لفترة وجيزة، وهو لا يزال حتى تاريخه رئيساً لإطول حكومة في تاريخ الحكومات المتعاقبة.
وبحسب المراقبين، فانّ هذا السيناريو لا بدّ أنه عُمّم وانتشر في بعض أوساط الفريقين الأزرق والبرتقالي المستفيدة مباشرة منه، أو أنّه طرح أساسا كبالون اختبار، الا أنّ جديته غير موثوق بها.
الموافقة المبدئية
وفي أي حال، فمن المؤكّد أنّ الساحة السياسية قد شهدت حراكاً ملحوظاً في الفترة الأخيرة في اتجاه حلحلة عقدة الرئاسة. وأما الحدث الذي أعطى دفعاً غير منتظر لحظوظ عون، والذي يبدو أنه فاجأ الجميع بمن فيهم "حزب الله"، فيمكن تلخيصه بما يشاع حول موافقة مبدئية على "الجنرال" أعطاها الحريري ونقلها رئيس مكتبه نادر الحريري منذ حوالي الأسبوعين الى الوزير جبران باسيل، ما أدّى الى تسريب أجواء إيجابية في البلاد بأنّ عون سوف يُنتخب رئيساً في الجلسة المقبلة في ٨ آب، أو في وقت وجيز يلي هذه الجلسة.
وتقول المصادر المتابعة لملفّ الرئاسة أنّ الحريري كان قد تشاور قبل ذلك مع الطرف السعودي عبر وزير خارجية المملكة عادل الجبير، المقرّب من ولي ولي العهد محمد بن سلمان، وقد سمع منه موافقة، أو أقلّه عدم ممانعة، على المضي قدما بعون، من دون الغوص بتفاصيل الحسابات السياسية في المرحلة المقبلة، على أساس أن السعودية بالشقّ الذي يمثله محمد بن سلمان، تكتفي بمعادلة توصل الحريري الى سدّة الرئاسة الثالثة وتتّكل على هذا الأخير لتحصين وضع فريقه وطائفته في الممارسة السياسية.
ويبدو أنّ هذا التطور قد فاجأ "حزب الله"، الذي لم يكن يتوقّع أي تجاوب من قبل الحريري على طرح عون، بدليل أنّ قياديّيه كانوا قد أجابواعلى تساؤلات عون أواخر العام الماضي حول ما اذا كان "حزب الله" قد يوافق على الحريري رئيساً للحكومة مقابل تبنّي تيار"المستقبل" ترشيحه لرئاسة الجمهورية، بأنّ الأمور سوف تُقرّر في وقتها، ما يعني ضمناً أن "حزب الله" لم يكن مقتنعاً بإمكانية الوصول الى هذه المعادلة.
وبحسب مصادر مقربة من حارة حريك، فقد سمع عون مؤخراً كلاماً من الحزب مفاده أن لا مانع لديه من أن يتولى الحريري زمام الحكم اذا كان جادّا بموضوع عون، وفي ذلك تغيّر في الموقف المبدئي لـ"حزب الله"، الذي كان ممانعاً لفكرة الحريري رئيساً ثالثاً للبلاد. ولكنّ الحزب اشترط قبوله بالحريري بضرورة الاتفاق المسبق على بعض الأمور الأساسية، وعلى رأسها قانون الانتخاب، ما يزيد من أهمية جلسات الحوار التي تبدأ اليوم، والتي ان رست على توافق حول القانون المرتقب، قد تفتح باب الحلحلة على مصراعيه، والّا فإن مجمل الأمور سوف تراوح مكانها.
وقد بات واضحاً أنّ العقدة الاساسية ليست بين عون والحريري. فالرجلان مستعدان الى أقصى التنازلات للوصول الى الحكم، بل انّ المشكلة في الذين يقفون وراءهم، أي لدى "حزب الله" ولدى بعض "المستقبليين" الذين يبدون أكثر تشدّداً في ما يختصّ بالعناوين المطروحة للتفاوض بين الطرفين، من قانون الانتخاب الى توزيع حقائب الحكومة المقبلة، مروراً بمبدأ مكافحة الإرهاب التكفيري الذي يصرّ عليه "حزب الله" كبند أولي في أي بيان وزاري، والذي لا يلقى صدىً إيجابيا" في الصفوف المتشدّدة من التيار الأزرق. أضف الى ذلك عدد من العراقيل المهمة، كممانعة بعض الصقور الواضحة لمعادلة عون- الحريري، أو لجزء منها، من الرئيس نبيه بري الذي ما ان عاد من عطلته حتى دعا المرشح الثاني الى الرئاسة النائب سليمان فرنجية لزيارته، وساهم مباشرة أو غير مباشرة في تعميم أجواء غير مريحة لانتخاب الجنرال، الى تناقضات بعض الجهات والمرجعيات السياسية التي لا يريحها وصول الحريري الى سدّة الرئاسة الثالثة ولو أنها تعمل لانتخاب عون، كحزب القوات اللبنانية على سبيل المثال.
وصحيح أنّ بين الرئاسة وعون "ومضة"، فهل تكون أو لا تكون، هذا هو السؤال، ولا جواب عليه لدى أحدٍ حتى الساعة.