بعيداً عن كل الملاحظات التي يسجلها بعض المعترضين من داخل "التيار الوطني الحر"على الطريقة التي تمت فيها تزكية الوزير جبران باسيل رئيساً لـ"التيار"، والطريقة التي تعامل بها مع معارضيه عبر فصل عدد منهم، يبدو البحث بالتجربة الديمقراطية "العونية امراً يستأهل التوقف عنده، لما لها مدلولات جديدة في الحياة السياسية.
فليس سهلاً ان يقوم رئيس حزب لبناني بالتخلّي عن إمتياز إختيار المرشحين للإنتخابات النيابية، وما في ذلك من تخلٍّ عن كسب ودّ بعض النافذين أو المتمولين الذين يرغبون في الوصول إلى المجلس النيابي، عن طريق الاحزاب ذات الثقل التجييري، مع ما تتطلبه هذه الخطوة من جرأة في مواجهة النمطية التي تعتمد عادة داخل الاحزاب الكبيرة.
فقد قام التيار بإتاحة الفرصة لمناضليه أو للقياديين في الصفوف الخلفية ليكونوا مشاريع مرشحين للإنتخابات، مما يعطي حوافز لأي طامح بأن يكون سياسياً أو نائباً، بالتدرج عبر الأحزاب التي قد تكون المدخل الطبيعي لولوج الحياة السياسية.
واللافت في إنتخابات "التيار الوطني الحر"ّ أن غير المحسوبين على باسيل حصلوا على أعلى نسبة أصوات في الأقضية، الأمر الذي يؤكد أولاً أن الإنتخابات حصلت بحرية ونزاهة وشفافية مطلقة، وثانياً أن القاعدة العونية لا ترضخ لرغبات القيادة وتختار وفق قناعاتها، الامر الذي يظهر حجم لا بأس به من الوعي الحزبي لم تنضج ظروفه لدى جماهير أخرى.
لقد برهن باسيل، على رغم الملاحظات التي سجلت خلال العملية الإنتخابية، على أنه قادر على إدارة التنوع الحزبي بأقل قدر من الخسائر، وتعويد القاعدة الشعبية على التعاطي مع نفسها ومع مسؤوليها بطريقة مختلفة، وجعل الحكم والقرار بشكل وازن ملكاً للقاعدة، وفق آليات متوازنة كتعبير راقٍ عن ممارسة الديمقراطية.
وعلى رغم اعتراض البعض على اداء باسيل، والذي يوصف بأن فيه بعض الإستعلاء، لم يبدِ هؤلاء المعترضون ملاحظات تذكرعلى الآلية الديمقراطية التي تمت بها المرحلة الأولى من عملية اختيار المرشحين، التي ترى فيهم القاعدة العونية تجسيداً لطموحاتها، فقد تبيّن أن مشكلة جزء أساسي من القاعدة الحزبية ليست مع الآليات الديمقراطية، ولا مع "التيار الوطني الحرّ" ولا حتى مع العماد عون، بل مع جبران باسيل.