كان يُمكن أن تُقارب قضية إخلاء كنيسة سانت ريتا في فرنسا تمهيداً لهدمها وبناء شقق سكنية ومواقف للسيارات بأبعادها الحقيقية المعلنة، أي ضمن اطار تنفيذ قرار قضائي صادر عن السلطات المختصة (لا سيّما أن ملكيتها لا تعود الى الدولة). لكن الزمن الحالي لا يسمح بذلك. إنه زمن "داعش". وزمن انتعاش التطرف، وقطع أعناق رجال الدين. وزمن الحروب باسم الدين زوراً. وزمن التخوّف من زجّ الدين بالحكم. والحرب بين اليمين واليسار لتحديد هوية الدولة. وزمن "الإسلاموفوبيا"، وقوارب المهاجرين واللاجئين. وزمن التخبط والفشل في كشف معالم عالم جديد يقترب من الولادة.
بالنسبة إلى الملتزمين دينياً، المسيحيين على وجه الخصوص، لا مكان لأي تبرير حتى لو كانت القضية قضائية بامتياز. "سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ"، (يوحنا 2: 16) يردد هؤلاء ليتأجج الإيمان في القلب أكثر. هدم كنيسة من أفظع الخطايا، أياً يكن الدافع أو السبب. يُسحل الكاهن على المذبح من قبل قوات أمنية تابعة لدولة تعتبر "الأبنة البكر للكنيسة الكاثولوكية". إنه "يهوذا" يكرر عاره. لكنّ حمل الصليب نعمة وجسر عبور نحو الملكوت. بات بإمكان مسيحيي العالم اختبار شعور "اقليات" الشرق. اضطهد "النصارى" في أرضهم على يد أكثر من جهة وتحت اكثر من عنوان. عمّ الخوف من التهميش، بل من الزوال. "مسيحييو الغرب" بالاسم فقط: هم أقرب إلى الإلحاد. سرعان ما يُكتشف أن ثمة هناك من يحمي الكنائس باللحم الحيّ. لكنهم أيضاً يُسحلون. بات بالإمكان الآن، تحسس العنف...
وثمة من لا يرى في القضية إلا بعدها القانوني. لا مسّ هنا بالأديان ولا نيّة لاضطهاد المسيحيين. لكن لا مفرّ من تحسس العنف مجدداً. يحمل "داعشي" سكيناً وينحر كاهناً في الكنيسة، باسم "الله". يدوس أفراد الشرطة الفرنسية المصليّن بأحذيتهم ويلكمون الأجساد الثائرة، باسم "رب ثان": المال. إنه الإرهاب الذي يستنسخ حاله.
وثمة من يستشرف مستقبلاً قاتماً. تتخذ القضية ابعاداً أخرى وتخضع للتحليلات ومنطق المؤامرات: فرنسا تهدم كنيسة اليوم، لتبرير هدم المساجد غداً. يتضح أن البشرية جمعاء تشعر بعنف يمارس عليها. مؤلم أن تخاف جماعات هذه البشرية من بعضها...
يتأكد أكثر فأكثر أن هذه القضية لا يمكن أن تبقى في إطارها الضيّق مع قراءة ما كتبته اليومية الفرنسية "ليبراسيون" التي اعتبرت أن الصراع بين المحافظة ومالكي الكنيسة سببه صراع سياسي له حساباته وتداعياته على المشهد الانتخابي في الدائرة الـ15: "بعيداً من المعركة القضائية التي تصبّ لجهة هدم الكنيسة، بعد تخلّف المطارنة عن دفع مستحقات تصل إلى حوالي 45 ألف يورو للمالك البلجيكي للمبنى الذي يقع في شارع فرانسوا بونفين، فإنّ الحساسية السياسية وصلت إلى ذروتها مع شاغلي الكنيسة الغاليكانيين الذين يحاولون بشتى الطرق تطويع الخط الكاثوليكي لمنخرطين ومحازبين في الجبهة الوطنية".
الكنيسة اليوم زنرت بمتفجرات تمهيداً لهدمها. بانتظار ما ستؤول اليه الأمور في الغد القريب، وبصرف النظر عن الأسباب والدوافع والأبعاد، تتضح معالم مستقبل يسير على حبال العنف. الألغام تملأ هذه الأرض وثمة من يجهد في زرع الكثير منها باسم الدين...