كان "أحدُ اسطنبول" أمس، يوماً غير عادي. مشهد تظاهرات "حراسة الديموقراطية" المليونية في ساحات وميادين محافظات البلاد رداً على محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز الماضي وبمشاركة الأطياف السياسية كافة، أعاد الاعتبار لمسألة شرعية السلطة، وأن منطق الانقلابات العسكرية بات ينتمي إلى عصر آخر وثقافة بائدة ونفوس مريضة، فكيف إذا كان الانقلاب نفسه بآليات وتكتيكات شبه بدائية؟
بعد ساعات من المحاولة الانقلابية ليل 15 تموز، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، دون تردد، أن جماعة فتح الله غولن تقف وراء الانقلاب، لكن مراقبين كثراً يرون فيه مجرد أداة وواجهة لعملية تفوق قدرات الحركة الحقيقة والمتخيلة، والتي لم تُعرف تاريخياً إلا كحركة دينية إصلاحية تتبنى التعليم وخدمة المجتمع والحوار بين الأديان، وترتبط بشبكة واسعة من الشركات والمدارس وغيرها من المؤسسات في كثير من دول العالم، وفوق ذلك أنها تريد أن تخفف تركيا من العلمانية، والانتقال من الأنموذج الأوروبي "التحرر من الدين" إلى الأنموذج الأمريكي في الحرية الدينية، حيث تتنافس الجماعات على كسب القلوب والعقول.
حتى الآن لم يُعلن أي دليل، للرأي العام التركي والعالم عمن يقف وراء الانقلاب. هناك روايات وقصص واعترافات وتحقيقات والكثير الكثير من التخمين، لكن في الوقت عينه ليس سراً أن أعضاء وموالين لغولن شغلوا العديد من المناصب في مؤسسات الدولة على مدى عقود، وتضخم هذا في عهد "العدالة والتنمية" منذ عام 2002، فكان لتجربة أردوغان وحزبه التأثير الكبير في تمدد الحركة وتوسعاتها منذ أن كان رئيسا للوزراء قبل أن تنقلب الأمور وتتحول إلى خصومة بالغة، وهو ما دفع أردوغان إلى القول أمام مؤيديه في اسطنبول أمس إن "الشيء الوحيد الذي لم تحسب له منظمة فتح الله غولن الإرهابية حساباً هو الشعب التركي وإيمانه ووعيه".
للدولة التركية وحزبها الحاكم أن تذهب إلى ما تشاء من خيارات، وفق مقتضيات المصلحة أو التحديات التي تراها، لكن للصورة من العالم العربي – وبعيداً عن الانقسام العاطفي الساذج لمصلحة أردوغان أو ضدّه – حسابات أخرى. فثمة من يرى أن حكومة "العدالة والتنمية" اختارت منذ البداية مقاربة قضايا العالم العربي من بوابة علاقتها بطهران، تماماً كما اختارت – لأسبابها الخاصة - الرئيس الأسد في العام 2004 مدخلاً للعرب قبل أن تعارضه وبشده لأسبابها الخاصة أيضاً.
من المعروف أن العلاقات الايرانية – التركية الحسنة سببها ملفان أساسيان: المسألة الاقتصادية، والمسألة الكردية. فعندما كانت إيران محاصَرة اعتمدت على تركيا في الاستيراد، كما كانت تركيا تستورد من إيران ومن روسيا البترول والغاز. ثم إنّ الدولتين ما كانت لهما مصلحة في قيام دويلات كردية على حدودهما أو بداخلهما. لكنّ الدولتين وعلى مشارف الربيع العربي اختلفتا. فأرادت إيران منع التغيير وبخاصة في سورية، وأرادت تركيا دفع التغيير باتجاه الاسلام السياسي الذي تنتهجه. وهما تدخلتا في دولٍ مستقلة دعماً لهذا الطرف أو ذاك، وكل ذلك بسبب الانكفاء العربي الكبير، ولأن الضعف العربي شجّع، ليس إيران وتركيا فقط، بل أميركا وروسيا والصين والهند على الخوض في الشأن العربي.
ثم إن الموقف الايراني من المسألة السورية، وبسبب سياساتها الطائفية في العراق منذ 2010 وفي لبنان واليمن وفلسطين، دفع حركات الاسلام السياسي إلى تفضيل أردوغان بوصفه "زعامة سنية".. هكذا تصارع كل من الأتراك والايرانيين على القرار العربي وعلى الأرض العربية، وبالرغم من أن لهما مصالح مشتركة في العديد من الملفات الاستراتيجية، فإن التباينات ظهرت في أكثر من محطة، كمساعدة إيران أكراد تركيا شرق البلاد، ومساعدتهم من أجل إقامة دويلة في سوريا والحديث المتواتر عن تسويات إقليمية كبرى تفوق قدرات أنقرة على المناورة السياسية وغضب قيصر روسيا إثر إسقاط طائرة عسكرية روسية في سوريا، كل ذلك اضطر أردوغان إلى التنازل أخيراً لإيران وإسرائيل وروسيا وأميركا، بعد أن بدا أنّ الجميع تحالفوا ضده لإخراجه من المشهد.
إن الرعب الذي خلّفته محاولة الانقلاب الفاشلة، وربما ما كشفته عن تغلغل هائل لحركة غولن في مؤسسات الدولة واختراق الجيش، دفع للمبالغة في الإجراءات الداخلية حيث أغلقت السلطات التركية آلاف المدارس والجمعيات الخيرية والنقابات وتعرض الآلاف من محامين وقضاة وشرطة وضباط وموظفين في الحكومة للتحقيق أو الإقالة أو الاعتقال، لكن المؤكد أن أردوغان أصبح أكثر حذراً في الخارج، مع أميركا وروسيا وكذلك مع إيران ومع إسرائيل، والتقدير (والأمل أيضاً) أن يصبح أكثر ملائمة في سياساته العربية، تنسيقاً واستشرافاً ومقاربة للملفات والقضايا والتحديات.