كان لافتًا أن يستخدم الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان مصطلح "صديقي فلاديمير" قبيل توجّهه إلى مدينة سان بطرسبوغ للقاء الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، ولا سيّما أنّ هذا اللقاء المقرّر إتمامه غدًا الثلاثاء، يعكس مدى الرغبة المشتركة بين الجانبين في طيّ صفحة خلافاتهما التي نجمت عن حادثة قيام المقاتلات التركيّة بإسقاط قاذفة السوخوي الروسيّة فوق الحدود السوريّة قبل نحو عشرة أشهر، وبالتالي، في الارتقاء بعلاقاتهما إلى المستوى الذي يليق بمكانتهما الاستراتيجيّة على الصعيدين الإقليميّ والدوليّ.
لا شكّ في أنّ هذا اللقاء سيكتسب الصفة التاريخيّة بامتيازٍ، وبكلّ المقاييس. فعلاوة على الملفّات ذات الأبعاد السياسيّة والاقتصاديّة المقرّر طرحها على مائدة البحث بين الزعيمين، جاءت تأكيدات الرئيس أردوغان على أهميّة مشاركة روسيا في حلّ الأزمة السوريّة لتعبّر عن تحوّلٍ جذريٍّ في الموقف التركيّ تجاه هذه الأزمة، الأمر الذي يشي بأنّ ثمّة تطوّراتٍ ميدانيّةً بالغةَ الأهميّة لا بدّ وأن تشهدها جبهات القتال في سوريا خلال الأيّام القليلة المقبلة، وخصوصًا في حلب، وهو ما كانت الفصائل المسلّحة للمعارضة قد استدركته على مدى الساعات الثماني والأربعين الماضية، إثر قيامها بخوض أشرس المعارك من أجل فكّ الحصار المفروض على المدينة، أملًا في إدخال عنصر مفاجأةٍ جديدٍ على الخطط العسكريّة التي وضعها الجيش السوريّ وحلفاؤه على هذا الصعيد.
وإذا كانت تجارب الماضي قد علّمتنا أنّ الحروب غالبًا ما تخضع عند اشتدادها لقاعدة الكرّ والفرّ، فإنّ الحديث عن مدى قدرة المعارضة على الاحتفاظ بمواقعها الجديدة لن يشذّ عن هذه القاعدة، علمًا أنّ مصادرَ مقرّبةً من اللجنة الروسيّة – التركيّة التي أشرفت على التحضيرات الخاصّة بلقاء الغد بين الرئيسين بوتين وأردوغان، كانت قد أكّدت أنّ ثمّة مفاجآتٍ تكتيكيّةً ستنجم عن هذا اللقاء، وتدلّ في مجملها على أنّ ساعة الحسم في سوريا لم تعد بعيدة.
ما كان لافتًا أيضًا في حديث الرئيس أردوغان هو أنّه تطرّق إلى علاقات بلاده مع الاتّحاد الأوروبيّ، حيث قال إنّ الأوروبيّين تخلّوا عن وعود قطعوها لتركيا، مشيرًا إلى أنّهم ما زالوا يخدعونها منذ ثلاثة وخمسين عامًا على قاعدة سياسة الكيل بمكيالين، الأمر الذي يؤكّد رغبة أنقرة في البحث عن آفاقٍ جديدةٍ لعلاقاتها الخارجيّة، وعبر الفضاء الروسيّ هذه المرّة.
وفي هذا السياق، يتوقّع المراقبون أن يصار إلى إعادة النظر في عدّة مشاريع بين تركيا وروسيا، كان قد تمّ تجميدها لأسباب مختلفة. ويدور الحديث في الآونة الأخيرة عن إمكانيّة استئناف العمل في مشروع خطّ "الدفق التركيّ" الذي سينقل الغاز الروسيّ عبر تركيا إلى حدود اليونان، وإنشاء مجمّع للغاز هناك، لتوريده فيما بعد للمستهلكين في جنوب أوروبا، وهو الخطّ الذي يُتوقّع أن يبلغ حجم ضخّ الغاز الروسيّ فيه حوالي ثلاثة وستّين مليارِ مترٍ مكعّبٍ سنويًّا، بينها سبعةٌ وأربعون مليارً ستذهب للسوق الأوروبيّة، وستّة عشر مليارًا للاستهلاك التركيّ.
على هذا الأساس، وعلاوةً على ما تقدّم بخصوص الرغبة المشتركة في العمل على ترميم العلاقات الروسيّة – التركيّة، فإنّ المصادر المطّلعة تحدّثت أيضًا عن بعدٍ استراتيجيٍّ بالغِ الأهميّة لا يمكن أن يغيب عن جدول أعمال لقاء الرئيسين، ويتمثّل في الدور الذي يمكن أن تكون تركيا جاهزة لكي تلعبه على صعيد مواجهة ما تصفه روسيا بـ "التحرّكات الاستفزازيّة الأميركيّة" في مياه البحر الأسود، وخصوصًا في هذه المرحلة التي تشهد فيها العلاقات بين واشنطن وأنقرة تأزّمًا لم يسبق لارتفاع حدّته مثيل، وذلك على خلفيّة الشبهات التي تحوم حول إمكانيّة أن يكون الأميركيّون متورّطين في دعم المحاولة الانقلابيّة الفاشلة الأخيرة ضدّ إدارة الرئيس أردوغان.. وممّا لا شكّ فيه أنّ الساعات القليلة المقبلة ستكشف المزيد عن حجم هذا الدور، ومدى قدرته وفاعليّته في التأثير على رسم ملامح المستقبل.