لا شكّ بأن الغموض لا يزال يحكم جزءاً مما حصل في تركيا منذ لحظة بداية الإنقلاب العسكري في 15 تموز الفائت، إذ تتكاثر التحليلات والمواقف تجاه تركيا، نظاماً ومجتمعاً وشعباً وعلاقات خارجية، خاصة وأن كُثراً من متابعي الشأن التركي سارعوا إلى نعي تجربة تزاوج الإسلام مع الحداثة في تركيا، معتبرين أن ردّة فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد الإنقلاب أبعدت بلاده عن الحداثة والديمقراطية وقرّبتها من تجارب أنظمة العالم الثالث، لكن كل ذلك ينفيه مصدر ديبلوماسي يقيم في العاصمة أنقرة، والذي أفاد في حديث إلى "لبنان 24" أنه بعكس كل التصورات، إلتصقت الأحزاب العلمانية التركية بالرئيس أردوغان بما يوازي إلتصاق حزب العدالة والتنمية به، وأن ما يجري في تركيا الآن هو إنقلاب شعبي لصالح أردوغان إذ تحول منظرو الإعتراض على سياسات "العدالة والتنمية" إلى أشد المدافعين عن نظام حكمه.
وفي الوقت الذي تقر فيه أوساط داخل حزب "العدالة والتنمية" أن العلمانيين في الجيش كان لهم الدور الاساس في إفشال الإنقلاب وأنهم هم من دافعوا عن النظام والإنتظام في الوقت الذي بان ضعف المخابرات التركية ورئيسها هاقان فيدان من دون سوء نية طبعاً، ما دفع أردوغان إلى إعادة الإعتبار إلى الأحزاب المعارضة منذ الإجتماع الذي عقد في القصر الرئاسي في أنقرة مع قادة الأحزاب الاساسية وصولاً إلى دعوتهم إلى إلقاء خطب في المهرجان الختامي المليوني لدحر الإنقلاب حيث بان تمسكهم بأردوغان رئيساً وبالديمقراطية في تركيا سبيلاً.
وفي نفس الوقت إرتفع الحس القومي عند الأتراك الذين شعروا بمهانة بسبب إحساسهم بأن الغرب يتآمر عليهم في حين يرسل لهم إشارات التقارب والتحالف والتلاقي، ويكون لا مبالياً حتى لا نقول مساهماً حيال محاولة الإنقلاب الفاشلة.
ويضيف المصدر أن ما قاله رئيس أركان الجيش التركي أن هذا الجيش هو "جيش محمد" ليس جديداً، إذ ان تسمية "محمد شيليك"هي تسمية الجيش التركي منذ العهد العثماني ولم تتغيّر حتى في عهد أتاتورك.
وأنهى المصدر حديثه بالقول إن تركيا أكثر تماسكاً من أي وقت مضى وان ما يريده أردوغان هو إعادة صياغة التوازن بين روسيا وأميركا لأنه لا يستطيع الخروج من الناتو ومن تسليح واشنطن للجيش التركي، وكذلك لا يستطيع التخلي عن الغاز وأنابيبه مع موسكو والعبرة الآن في صياغة هذا التوازن.
إذا، لا شكّ أن المجتمع التركي أثبت، وفق هذه القراءة، أنه مجتمع تشّرب القيَم الغربية في رفض الديكتاتورية وحكم العسكر، كما أثبت إمكانية تزاوج الإسلام مع الحداثة.