لا تكمن أهمية النتائج التي خرجت من اجتماع كتلة "المستقبل" بعد تصويتها على ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، ولا معنى لعدد الأصوات التي نالها "الجنرال" ولا لتلك التي صوتت ضده.. إلا في كونها تعبيراً واضحاً عن الأزمة التي يدور سعد الحريري في حلقتها المقفلة!
كيف ذلك؟
المشهدية صارت جلية في مكوناتها: الرياض ترفع من وتيرة عدم اهتمامها بالملف اللبناني كونه غير وارد على سلم أولوياتها في هذه اللحظة بالذات، مع استمهالها الحلول الممكنة لما تواجهه شركة "سعودي اوجيه"، على رغم أن العاهل السعودي استثناها من ضمن سلّة المعالجات للشركات المتعثرة العاملة في المملكة، قائلاً، كما نُقل عنه، أن "سعودي اوجيه" حالة خاصة. وعلى رغم ذلك صار من الصعب على الحريري انتظار فرج آت على حصان سعودي، أقله في المدى المنظور. ولا بد من حلول أخرى تُصنع في لبنان.
إذاً، على سعد الحريري أن يقلّع شوكه بيديه، وعليه أن يبحث في كومة قشّ الخلافات عن إبرة تعيده الى رئاسة الحكومة، باعتبار أن الوقت ليس لمصلحته، أقلّه في المدى المنظور، وأنه كلما مر يوم كلما صارت مهمته أصعب. ولا بدّ من أهون الشرور، طالما أن مروحة الخيارات أمامه باتت ضيقة جداً!
ومن بين هذه الخيارات ترشيحه النائب سليمان فرنجية إعتقاداً منه بأنه قد يحدث خرقاً في جمود الأزمة الرئاسية، يمكنه من قطع الطريق أمام تنازلات يراها تقترب منه رويداً رويداً على طريق التطورات الاقليمية، التي صار مقتنعاً أنها ليست لمصلحته، مع أنه يعرف جيداً أن خيار القطب الزغرتاوي يقضم من طبق نفوذه وحضوره في الشارع السني. ولكن ما الحل؟ العودة من جديد الى خيار الجنرال عون؟ طبعاً هي ورقة غالية سيضطر سعد الحريري لدفع ثمنها اذا ما قرر السير بها جدياً، وسيكون الثمن طبق نفوذه الآخذ في التآكل. اذاً هو الانتقال من مربع مكلف الى مربع أكثر كلفة.
هل ينتظر؟
هو يعرف جيدا أن الانتظار لم يعد في صفه، وكلما ترك المهمة للزمن كلما زادت الكلفة. اليوم قد يكون الثمن رئاسة الجمهورية كون مرشحاها الأساسيان من 8 آذار، وبالتالي فإن اعتماد سياسة النفس الطويل يعني تقديم مزيد من الأثمان: قانون الانتخابات.
عملياً، هو يعرف جيداً أنه مخيّر بين القبول برئيس من خندق الخصوم وبين انتظار سلّة التفاهمات الكبيرة التي قد تدفع به الى تقديم تنازل كبير في قانون الانتخابات، أو حتى في الآليات السياسية التي يخشى هو بالذات حصولها والمسّ بجوهر اتفاق الطائف.
وبالتالي هو اليوم أمام واحد من خيارين أحلاهما مر: إما القيام بقفزة في المجهول من خلال القبول بميشال عون رئيساً من دون ضمانات اقليمية لا تمنحه الأمان لما بعد العهد الجديد، وقد تكون السعودية غير موافقة عن قراره مع ما يعني ذلك من رفع غطاء اقليمي عنه، واما ترك سفينته تسير على هداها بانتظار ما تحمله التطورات.. وقد يكون الآتي أعظم!