في بلد العجايب كل شيء فيه متوقع وغير مستغرب، وفيه من الخلطات المركّبة ما لا يمكن تصّوره أو تخيله، وتصّب كلها في نهاية المطافات في خانة ما بات يُعرف بـ"المصلحة الوطنية العليا"، من دون أن نعرف بالمحسوس والملموس، معنى هذا المصطلح الذي لا يغيب عن تصريح لهذا الزعيم أو ذاك المسؤول، وفي شكل متكرر وشبه يومي.
فالمؤقت يصبح دائماً، مع ما يعنيه ذلك من تكريس لواقع غير صحّي في حياتنا السياسية، وما يعتريها من تشوّهات بنيوية تظهر جلية في ممارسة السلطة، مع ما فيها من استنسابية لا تخضع عادة لمعايير موضوعية.
فحكومة "المصلحة الوطنية" جاءت لغاية محددة وظرف معين، تحت عنوان "المؤقت"، وإذا بها تصبح أكثر من دائمة. فالغاية التي أتت من أجلها، وهي تأمين انتقال طبيعي للسلطة، أصبحت من دون غاية، مع إصرار رئيسها تمام سلام على تذكير الوزراء المؤقتين بضرورة انتخاب رئيس للجمهورية، وقد بات كلامه لازمة يكررها في مطلع كل جلسة لمجلس الوزراء، الذي يجتمع ويؤجل ما هو مؤجل.
وهكذا يصبح الإستثناء قاعدة، والقاعدة استثناء، من دون أن يعرف المواطن القابع على حافة إنتظار قطار الحلول الممكن منها والمستحيل ما معنى كل هذا الذي يحصل في بلد العجايب، من دون أن يلقى بالطبع الجواب الشافي ممن يُفترض بهم أن يكونوا مسؤولين عن شؤونه وشجونه، وهم في الأساس يحتاجون هم بدورهم إلى أجوبة عن تساؤلات محيّرة.
ومن بين الاسئلة المحيّرة سؤال يدخل في خانة الاحاجي والحزازير والكلمات غير المتقاطعة، وهو: كيف تسير امور البلاد والعباد على السواء في ظل فراغ على كل المستويات، بدءاً برأس الهرم حتى اخمصيه؟
سنتان ونصف السنة تقريباً مسافة زمنية لا يُستهان بها. فلو حصل هذا الفراغ القاتل في بلد آخر غير لبنان، أي بلد، لكانت قامت القيامة ولم تقعد. أما عندنا فالأمور ماشية، وإن بتعثر، وكل واحد منّا يحاول أن يمشّي الحال بالتي هي أحسن، ويسعى إلى تكييف أوضاعه وفقاً للظروف وحاجاته اليومية. وهنا تكمن الخطورة، لأننا في الاساس لم نعتد ولو في يوم واحد على العمل المؤسساتي، ولأننا لم ننظر إلى الوطن ومؤسساته من منظار مواطنيتنا، بل من منظار طوائفي وقبلي ومناطقي وفئوي، ومن منظار أن القانون معمول لغيرنا، والانظمة وضعت لكي تُطّبق على الآخرين فقط. والآخرون هم انا ونحن، وانت وانتم، وهو وهم، ودائماً بصفة المجهول المغيّب. وفي النهاية قد يكون الحق دائماً على الطليان، وما أكثرهم هذه الأيام، إذ بتنا نستسهل رمي المسؤولية على أشخاص هم أقرب إلى الأشباح منهم إلى أي شيء آخر. وهكذا تضيع طاسة المسؤولية وتمسي سياسة "حارة كل مين أيدو ألو" هي السائدة في بلد العجايب والغرايب، ويصبح كل شيء فيه مباحاً، وتصبح الأوراق المستورة مكشوفة فيما اللاعبون لا يزالون ينتظرون اللعبة وكلمة السر.