على رغم ستار الغموض لنتائج زيارة أردوغان لغريمه بوتين في مسقط رأسه "مدينة البطرس" وإنتظار بعض الوقت لمفاعيل الزيارة التاريخية التي قضت عملياً على مرحلة متشنجة بين الطرفين، فإن الديبلوماسية الروسية تواظب على تقاليدها التاريخية في مثل هذه الحالات، وهي الحفاظ على قدر كبير من اللياقة ومنح الضيف الحرية الكاملة في إعلان ما يشاء من مباحاثاته معهم، خصوصاً وسط دلالة تحملها مغادرة أردوغان الاولى صوب روسيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في بلاده.
وفي هذا الاطار أكد ديبلوماسي في وزارة الخارجية الروسية لـ"لبنان 24" على بعدين يعتبران ثمار القطاف الفوري للزيارة: البعد الاول، هو التعاون الكامل بين البلدين بكافة المجالات مع ما يحمل الامر من أهمية إستراتيجية ليس للطرفين بقدر ما ينعكس على "اوراسيا"، التسمية الرائجة للقارتين عند الديبلوماسيين الروس. أما البعد الثاني والاهم عند روسيا فهو شّن حرب شاملة على الارهاب حتى القضاء على "داعش" ومتفرعاتها ليس في سوريا والعراق فحسب، في كل نقطة تصل إليها المجموعات المتطرفة و تحديدا عمق أوروبا، و الذي يعتبر منطلقا من وجهة نظر روسية لاستتباب الامن عالمياً.
من جهتهم سارع الاتراك، وعبر وزير خارجيتهم مولود جاوش اوغلو، بالترحيب بنتائج الزيارة وفوائدها السياسية والاقتصادية مصحوبا بالتأكيد على شروع تركيا بخطوات عملية لمكافحة "داعش" وسد المنافذ البرية مع تركيا. ووفق الصحافة التركية فإن يأس أردوغان من حلفائه الغربيين دفعه نحو إستدارته صوب موسكو، ولعل السبب الابرز في هذا المجال عدم الوفاء بوعوده السماح لتركيا بالانضمام للاتحاد الاوروبي والتعامل مع بلاده بإعتبارها الخطر الديموغرافي الذي يهدد مجتمعاتها بالمستقبل. أما النقطة التي طفح الكيل معها مع الغرب فهي الدعم الأميركي الكامل لطموحات الاكراد وبناء دولتهم، وهذا ما يعتبر تهديداً فعلياً لبقاء الكيان التركي، وما يثير قلق اردوغان البالغ بعد الانقلاب العسكري الفاشل.
روسيا من جهتها، ووفق خبراء، ليست بوارد زيادة جرعة الأمل عند أردوغان بقدر السير بخطوات تعاون سياسي وإقتصادي، لذلك بدا واضحا المحاولة التركية الحصول على ضمانات روسية فورية بعدم مجاراة أميركا وحلفائها بدعم الاكراد في شمال سوريا، ما دفع بالجانب الروسي نحو إرجاء سلسلة ملفات خلافية نحو مرحلة لاحقة من ضمنها الأكراد في شمال سوريا، كما شكل النظام السوري ومصير الرئيس بشار الاسد. فهي تعي تماماً بأن المرحلة المقبلة ستشهد المزيد من التأزم بالعلاقات التركية مع أميركا كما مع أوروبا وبالتالي فهي تحسب خطواتها جيدا.
في ضوء ذلك، من المؤكد أن حجم التباعد والجفاء التي كانت سائدة على خلفية أحداث سوريا ودخول البلدين حلبة الصراع السوري، الذي كاد يصل حد النزاع العسكري على خلفية إسقاط المقاتلة الروسية، يتطلب الكثير من الوقت وإجراء المعالجات المطلوبة لترميم العلاقة الثنائية، خصوصا أنه يفرض خطوات جريئة وشجاعة، كما يستلزم إجراءات معالجة شاملة لتحالفات ساهمت في نسجها الخصومة بين الطرفين.
فتركيا قادرة حكماً على منح الروس فوراً الغطاء الكامل للقضاء على شبح الارهاب إنطلاقا من سوريا، ولا يتعلق الامر بإغلاق الحدود فحسب، بل والمساهمة الامنية الفاعلة عبر ملاحقة المقاتلين الاجانب الذين دخلوا الى سوريا عن طريق تركيا، ويستعدون راهناً للعودة نحو بلدانهم أو التوجه نحو مناطق أخرى.