من يجالس أحد اركان الحلقة المحيطة بالجنرال ميشال عون في هذه الأيام، يسمع كلاماً حاسماً ممزوجاً بالكثير من علامات التعجب والاستغراب: لقد بلغت ملعقة الرئاسة فم رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" بعدما أبلغ بالحرف الواحد أن سعد الحريري مستعد للسير بترشيحه لرئاسة الجمهورية على اساس اتفاق مفصل جرى التوصل اليه خلال المشاورات بين جبران باسيل ونادر الحريري... الى أن عادت الأمور الى نقطة الصفر!
يجزم هؤلاء أنّ الاتفاق بلغ خواتيمه، وأن اللمسات الأخيرة كانت توضع عليه، بناء على ضوء أخضر أطلقه رئيس الحكومة السابق الذي ترك وديعته في جيب مندوبه الى المفاوضات، نادر الحريري. كانت الأجواء جدّ ايجابية، فيها ما يكفي من الضمانات الشفهية التي توحي بأن التوجه الى مجلس النواب لانتخاب الرئيس، بات قريباً.
فجأة، حصل شيء ما لا يزال غامضاً ومجهولاً بالنسبة إلى هذا الفريق، فرمل كل مشوار المفاوضات واعادها الى نقطة الصفر، لينتقل السؤال من: متى الرئاسة؟ الى: من عطّل الرئاسة؟
بالنسبة إلى هؤلاء ثمة اصبعا اتهام يوجهان الى فريقين: الاول هو فريق داخلي يتمثل بالرئيس فؤاد السنيورة وبعض المحيطين به، وهؤلاء غير متحمسين لوصول العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية لاعتبارات عديدة. وفريق خارجي يتمثل بالمملكة العربية السعودية، وهي ليست بممانعة لوصول الجنرال، لكن حساباتها الراهنة تبعد الملف اللبناني عن سلّم اهتماماتها وأولوياتها ما يجعلها منكفئة عن اتخاذ قرار حاسم في الملف الرئاسي.
ولهذا يسود اعتقاد لدى الفريق العوني أنّ الرياض لن تقف حجر عثرة في وجه أي اتفاق في حال تمّ التوصل اليه بين القوى اللبنانية، كما أن الحريري "مجبر لا بطل" في ابرام هذا الاتفاق في حال كان يريد العودة الى السراي الحكومي، ويفترض عليه بالتالي اتخاذ قرار جريء لضمان هذه العودة.
هكذا، طار الاتفاق بلمح البصر بعد سلسلة جلسات نقاش في العمق، طاولت رئاستي الجمهورية والحكومة وما بينهما من تفاصيل حيث يكمن الشيطان، وحيث تمّ تطويق كل احتمال خلاف قد يظهر في ما بعد، وجرى وفق المعلومات ترحيل بند قانون الانتخابات الى ما بعد الرئاسة.
وما يزيد من غرابة هذا الفريق هو أنّ الفريق المقابل بدا واثقاً من نفسه ومن المبادرة التي يقودها، خصوصاً أنّه أصّر على بحث كل التفاصيل الممكنة والعالقة من باب حلها قبل الوصول الى اتفاق نهائي. حتى أنّ موقف الرئيس نبيه بري لم يكن ليثير "نقزة" العونيين الواثقين من أن رئيس المجلس سيسير بالتسوية في حال وضع الحريري بصمته عليها.
ويقولون إنّ الحاجة الى اتفاق مكتوب على شاكلة اتفاق الدوحة قد يكون صار ملحاً، وهو الوحيد القادر على تقديم ضمانات جدية للفريقين تسمح بحل عقدة الرئاسة وانتخاب رئيس للجمهورية، ولهذا ربما كان من السهل أن تطير كل المفاوضات بغفلة عين.